رائد عبد الجليل
في إسرائيل لم يعد الفلسطيني بحاجة إلى حمل سلاح حتى يُصنَّف إرهابيا فقد يكفي أن يرفع علما أو يكتب منشورا أو يعترض على الاحتلال واليوم يبدو أن دائرة التجريم تتسع أكثر لتصل إلى صندوق الاقتراع نفسه حيث يجري الترويج لمصطلح جديد هو إرهاب الانتخابات في محاولة لتحويل ممارسة الفلسطيني لحقه السياسي والديمقراطي إلى شبهة أمنية تستوجب الملاحقة
وهنا علينا أن ندرك أن الإعلام الإسرائيلي ليس جهة منفصلة عن المنظومة الأمنية والسياسية بل هو جزء أساسي من أدواتها في إدارة الصراع على الوعي فهو لا يكتفي بنقل الرواية الرسمية وإنما يساهم في إنتاجها وتعميمها وصناعة المصطلحات التي تعيد تعريف الفلسطيني وحقوقه وممارساته السياسية بما يخدم أهداف الاحتلال
ما يحدث اليوم يستحق التوقف أمامه طويلا فالمسألة ليست مجرد عنوان في قناة تلفزيونية أو تصريح صادر عن سياسي إسرائيلي وإنما تتعلق بمسار سياسي وإعلامي يجري من خلاله نقل الفلسطيني من موقع المواطن الذي يمارس حقه الانتخابي إلى موقع المشتبه به الذي ينبغي إخضاعه للرقابة والتحقيق
وقد شهدنا خلال الأيام الأخيرة كيف استخدمت القناة الإسرائيلية الرابعة عشرة تعبير إرهاب صناديق الاقتراع في سياق التحريض على التصويت العربي كما شهدنا اتهامات حزب الليكود للأحزاب العربية بسرقة الانتخابات وربط مشاركتها السياسية بدعم الإرهاب وهي اتهامات لم تسندها الشرطة الإسرائيلية بحسب ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية عن موقفها من تلك المزاعم
وليس في هذا التحذير أي مبالغة فالتجربة الفلسطينية مع الخطاب الإسرائيلي تكشف عن مسار متكرر يبدأ بصناعة المصطلح وتكريس صورة معينة عن الفلسطيني ثم ينتقل تدريجيا إلى المؤسسات السياسية والأمنية قبل أن يجد طريقه إلى التشريعات والإجراءات على الأرض
قبل نحو عشر سنوات كان الاحتلال يصف الفلسطينيين الذين يتظاهرون احتجاجا على سياساته بأنهم مشاغبون ومثيرو فوضى لكن الخطاب الإسرائيلي أخذ يتجه نحو توسيع دائرة الاتهام فأصبح الاعتراض على الاحتلال من خلال منشور على مواقع التواصل الاجتماعي أو تصريح سياسي أو رفع العلم الفلسطيني يدخل في دائرة التحريض والاشتباه بالإرهاب
ومع مرور الوقت لم يبق الأمر في حدود الخطاب الإعلامي فقد رافق هذا التحول تشديد في التشريعات والإجراءات الأمنية وتوسيع دائرة الملاحقة والتعامل مع أشكال من التعبير السياسي باعتبارها تهديدا أمنيا وهو ما جعل الفلسطيني يواجه تبعات موقفه حتى عندما لا يتجاوز حدود الكلمة أو الرأي والتعبير عن هويته الوطنية
اليوم نرى امتدادا لهذا المنطق إلى صندوق الاقتراع نفسه فبدلا من التعامل مع التصويت العربي باعتباره ممارسة سياسية وديمقراطية يجري تقديمه في بعض الخطابات الإسرائيلية باعتباره خطرا على الدولة ومؤسساتها وهنا لا بد من الانتباه إلى أن الخطر لا يكمن في المصطلح وحده بل في ما يمكن أن يترتب عليه من سياسات وإجراءات
إننا أمام محاولة لتوسيع تعريف الإرهاب بحيث لا يعود مرتبطا بفعل محدد وإنما يصبح وصفا قابلا للاستخدام ضد الموقف السياسي والهوية الوطنية والمشاركة العامة وهذا يفتح الباب أمام سؤال بالغ الأهمية إذا كان الفلسطيني يستطيع أن يصبح موضع اتهام بسبب منشور أو تصريح أو رفع علم فهل أصبح صوته في صندوق الاقتراع أيضا مادة للاشتباه الأمني
إن جوهر القضية يتجاوز الانتخابات الإسرائيلية وتوازناتها الحزبية إلى طبيعة العلاقة التي تريد المؤسسة الإسرائيلية فرضها على الفلسطينيين في الداخل المحتل وهي علاقة تضع حدودا لما يجوز لهم قوله وما يجوز لهم التعبير عنه وحتى لما يجوز لهم اختياره سياسيا
المشاركة السياسية ليست منحة من حكومة إسرائيلية ولا امتيازا تمنحه الأغلبية للفلسطينيين متى شاءت وتسحبه متى شاءت بل هي حق أصيل لا يجوز تحويله إلى تهمة بسبب هوية الناخب أو خياراته السياسية
علينا أن نقرأ ما يجري بعيدا عن الاستخفاف بالمصطلحات الإعلامية فالمعركة تبدأ أحيانا من اللغة قبل أن تصل إلى القانون وما يبدو اليوم عنوانا في برنامج تلفزيوني قد يتحول غدا إلى مبرر لإجراءات جديدة على الأرض
حين يصبح التصويت شبهة وحين يصبح الاختيار السياسي مادة للاتهام فإن السؤال لم يعد من يحق له أن يفوز في الانتخابات بل هل يُسمح للفلسطيني أصلا أن يمارس حقه في الاختيار دون أن يتحول إلى متهم
إنها مرحلة تستدعي الوعي والمراقبة لأن أخطر ما في تجريم الفلسطيني ليس فقط ملاحقته على ما يفعل بل الوصول إلى مرحلة يصبح فيها وجوده السياسي وحقه في التعبير والاختيار موضع مساءلة دائمة