الباحث السلوادي: جهد مميز للباحثة الوحيدي بذكرى فيصل الحسيني الـ16
يصادف يوم غدٍ الأربعاء الذكرى السادسة عشر على رحيل مسؤول ملف القدس وعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية فيصل عبد القادر الحسيني.
ولد فيصل الحسيني، عام 1940 في العاصمة العراقية بغداد، حيث كان والده المجاهد الكبير عبد القادر الحسيني رهن الاعتقال لدى سلطة الانتداب البريطاني في العراق، ومن ثم عاش متنقلا بين بغداد والقاهرة وبيروت وعمان ودمشق منخرطا في العمل الوطني، قبل أن يستقر في القدس التي كرس حياته لها، حيث قام بقيادة العمل السياسي في القدس، وقام عام 1979 بتأسيس "جمعية الدراسات العربية" في "بيت الشرق" في القدس المحتلة، وهو المقر غير الرسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية في القدس.
توفي فيصل الحسيني بأزمة قلبية عام 2000 أثناء زيارته للكويت في مهمة رسمية وطنية، وشيع الراحل في موكب جماهيري مهيب، ودفن في باحة الحرم القدسي الشريف بجوار أبيه وجده.
كان فيصل الحسيني يحظى بشعبية عالية في القدس وجميع الأراضي الفلسطينية، ولا زالت ذكراه باقية، وقد أصدرت الباحثة ميسون العطاونه الوحيدي مؤخرا كتابا بعنوان "فيصل الحسيني / أسطورة المقاومة الفلسطينية"، وكتب عميد الدراسات العليا والبحث العلمي في جامعة القدس المفتوحة د. حسن السلوادي، رأيا فيه.
قال السلوادي: "لعلَ أجمل وأثمن ما يمكن تقديمه بمناسبة ذكرى وفاة أي علم أو رمز من رموز الوطن كتاب أو بحث موثَق يؤرخ لحياته، ويجلو صفحات مجهولة أو مخبوءة من حياته ومسيرة نضاله، الحافلة بالأعمال والأحداث، وهذا ما بادرت إليه الباحثة ميسون العطاونه الوحيدي في كتابها الجديد: (فيصل الحسيني / أسطورة المقاومة الفلسطينية)، وبذلت فيه جهداً بحثياً مميزاً جلت من خلاله أبعاد شخصية المناضل الكبير فيصل الحسيني (أبو العبد)، وسلَطت بإيجاز غير مخلِ على الظروف التي أحاطت بمولده ونشأته ومراحل نضاله داخل الوطن وخارجه.
أهدت الباحثة كتابها إلى روح القائد البطل فيصل الحسيني الذي نحتفي بالذكرى السادسة عشرة لاستشهاده، والذي نذر كل لحظة في حياته منذ نعومة أظفاره من أجل تحرير وطنه وعاصمته القدس الشريف، وإلى أرواح الشهداء الفلسطينيين والعرب الذين رووا بدمائهم الزكية تراب الوطن، ومهدوا بأجسادهم الطاهرة درب الحرية والكرامة والاستقلال.
وتحدثت الباحثة عن الدوافع التي حدتها إلى الكتابة عن هذه الشخصية الفذة قائلة أن أملها أن يكون كتابها مرشداً وهادياً لشبابنا وأطفالنا الذين ولدوا بعد رحيله، ولا يكاد كثيرون منهم يعلمون شيئاً عن تفاصيل سيرته النضالية العظيمة، فهم - كما قالت – بحاجة إلى المعرفة ليكون هذا القائد مثلهم الأعلى، وليكون منارة يهتدي بضيائها جميع المضطهدين والمناضلين من أجل الحرية والعدالة والاستقلال.
ومن أبرز الموضوعات التي تطرقت إليها الباحثة، عرضها للظروف التي أحاطت بعودة فيصل الحسيني إلى مدينته الحبيبة القدس، وتجربة السجن التي عاشها أكثر من مرة باعتبارها محطة من محطات نضاله البارزة، وقد عرضت لهذه الغاية شهادات من مرافقيه في سجون القهر الإسرائيلية الذين نوهوا ببساطته ودماثته، وقدراته التنظيمية العجيبة، وصلابته وقوته التي قهرت السجن والسجَان، ورووا عنه مقولة طالما كان يرددها وهو قوله: "إن الاعتقال لا يضعفني، بل يشد أزري ويزيدني قوة".
وعرضت الباحثة ملامح نضال أبي العبد في فترة الثمانينيات وما بعدها، حيث كانت جمعية الدراسات العربية وبيت الشرق في القدس مركزاً وعنواناً لاستنهاض سائر المؤسسات واللجان لمواجهة المحتل، وإحباط مخططاته، وكشف ممارساته القمعية، وانتهاكاته المتوالية لحقوق الإنسان الفلسطيني عامة والمقدسي خاصة أمام المنظمات والهيئات الدولية، وأشارت الباحثة إلى أن فيصلاً ما لبث أن تبوأ مكانة الرجل الأول في المناطق المحتلة ممثلاً لمنظمة التحرير الفلسطينية، حيث أُسندت له رئاسة القيادة الوطنية الموحدة، وهي القيادة السياسية العليا التي كانت تشرف على فعاليات الانتفاضة الأولى وتنظمها، وكان له دور الموجه الرئيس لهذه الفعاليات والتنسيق مع قادتها.
وكشفت الباحثة عن دور المناضل الكبير في إدارة ملف القدس الذي كُلف به إثر قيام السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1995م، وشهد كل من عاصره وعمل معه في هذا الملف منوهين بأخلاقه وتفانيه في خدمة مدينته الحبيبة، ودوره البارز في الحفاظ على هويتها ومعالم حضارتها، ومن العبارات التي كان يرددها دائماً: "أنا جندي في منظمة التحرير الفلسطينية، أقوم بواجبي ولا يهمني شيء آخر".
وقد جسَد أبو العبد بذلك - كما وصفته الباحثة – نموذجاً قيادياً فريداً من نوعه في التضحية والفداء والنضال العنيد المتواصل، ورأت أنه يستحق بجدارة أن يُطلق عليه لقب (غاندي العرب) لما اتسم به من صفات قيادية عالية، لعل من أبرزها قدرته العجيبة على جمع الأضداد والتوفيق بين المتناقضات، إضافة إلى تواضعه الجم والتصاقه الدائم بالجماهير، وتفانيه في خدمتهم على اختلاف مستوياتهم وانتماءاتهم السياسية والفكرية والدينية.
ولا يتسع المقام لعرض ملامح هذه الشخصية القيادية الملهمة، ولا تغني مقالة مقتضبة كهذه عن قراءة الكتاب، ومطالعة فصوله الممتعة التي جلت معالم شخصية هذا المناضل الكبير، بأسلوب علمي رشيق وتسلسل منطقي، ينُم عن قدرات بحثية متميزة كان من أبرزها الشهادات الحية التي جمعتها الباحثة بجهدها المميز من معاصري القائد الشهيد وممن عملوا معه وشاركوه في مراحل نضاله المختلفة، وكان لي شرف الإسهام بذلك حيث كنت أميناً لسرِ جمعية الدراسات العربية وبيت الشرق سنوات عدة قبل إغلاقها.
وبهذه الشهادات ومع كثرة المصادر والمراجع التي رجعت إليها الباحثة أستطيع القول: إن كتابها أضحى وثيقة معتبرة وشاهداً على مرحلة دقيقة من مراحل النضال الفلسطيني يجدر بنا حفظه والاهتمام به درساً ومطالعة. وأنا مع الباحثة الكريمة في تمنياتها على الجهات الفلسطينية المسؤولة بضرورة تضمين سيرة هذا القائد العظيم في مناهجنا الدراسية، كي يتعرف أبناؤنا وبناتنا على مكامن العظمة في شخصيته، ومناحي التفرد في سيرته ونضاله، والتي تُعد معلماً مضيئاً يُحتذى به من معالم مسيرتنا النضالية، وكفاحنا المشروع لنيل حريتنا وإقامة دولتنا الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، التي سكنت جوارح الراحل الكبير وكانت ملهمته الكبرى في كل محطة من محطات نضاله في وجه من يحاولون تزوير تاريخها وطمس معالمها الحضارية".

الأخبـــــــار
2017-05-30 | 13:32
1161