السفير الكركي يؤكد عمق العلاقات الثنائية الفلسطينية الكردية    أسير محرر من نحالين يروي تعرضه للتعذيب والتجويع في سجون الاحتلال    الرئيس يوجه بتقديم منح دراسية للأوائل في الثانوية العامة    إصابة مواطن برصاص الاحتلال في بيتا    الرئيس يكرم جهاز الشرطة لحصوله على جوائز دولية مرموقة    الاحتلال يغلق محلات تجارية في بيت فوريك    فتوح: الاحتلال يواصل حرب الإبادة والتهجير تحت غطاء الإفلات من العقاب    لقاء لبناني فلسطيني يبحث سبل تعزيز وتطوير العلاقات الفلسطينية-اللبنانية    كندا تندد بعنف المستعمرين في الضفة وتطالب بوقف توسيع المستعمرات الإسرائيلية    الانتخابات المركزية تدعو غير المسجلين للمبادرة بالتسجيل للانتخابات التشريعية    نادي الأسير: طفل معتقل يخضع لعملية قلب مفتوح وأسير جريح يفقد قدمه جراء الإهمال الطبي    شهيدان و10 إصابات جراء قصف للاحتلال على وسط وشمال قطاع غزة    الاحتلال يحتجز عشرات المواطنين وينكل بهم ويفرض حظر التجول في بيت أمر    الاحتلال يحول 4 منازل إلى ثكنات عسكرية في تل جنوب غرب نابلس    الاحتلال يقيم بؤرة استعمارية جديدة على أراضي فقوعة شمال شرق جنين  

الاحتلال يقيم بؤرة استعمارية جديدة على أراضي فقوعة شمال شرق جنين

الآن

القدس لأول مرة

 يامن نوباني

"وصلنا القدس، هيِّ القدس".. جملة أطلقتها ببهجة طفلة في حدود الثامنة من عمرها، حين رأت قبة الصخرة المشرفة.. وهنا، تعيدنا إلى أيام الطفولة والرحلات المدرسية، حين كان المسجد الأقصى وجهتنا الأولى في تسعينات القرن الماضي، قبيل اندلاع الانتفاضة الثانية (انتفاضة الأقصى 2000-2005).

في تلك المرحلة، لم نكن نعرف عن القدس سوى المسجد الأقصى، وكانت تغرينا قبة الصخرة الذهبية لأخذ الصور التذكارية، ويكاد جميع الطلاب في تلك الأيام التقطوا صورا معها، قبل أن يأتي زمن "خنق القدس" بالحواجز العسكرية وجدار الفصل العنصري.

شاب في أوساط الأربعينات، يتبادل الحوار مع اثنتين من قريباته في أحد مفارق الأسواق في البلدة القديمة، حول الطريق التي عليهم سلوكها للوصول للمسجد الأقصى، قبل أن يطلق عبارة: الحقوا الأزمة! وهي العبارة التي نمشي جميعاً عليها ببساطة وعفوية ونفلح في كل مرة.

خمسيني من غزة، يطلب من شاب قربه أن يلتقط له صورا للصخرة المشرفة، لإرسالها لأهله في غزة، قائلاً: هذه أول مرة أدخل القدس والأقصى، أريد تصوير كل شيء وارساله للأهل، لقد طلبوا مني أن أحاول التقاط كل شيء في المسجد الأقصى، الكثير منهم لم يدخل القدس في حياته، ومن دخلها، فذلك حدث قبل ثلاثين عاما وأكثر.

ثلاث صبايا في أحد أزقة البلدة القديمة يتجولن في أسواق القدس العتيقة، وقبل الوصول لنقطة ممنوع وصول الفلسطينيين إليها، حيث تعد أحد أبواب حائط البراق ( يسيطر عليه الاحتلال ويطلق عليه اسم حائط المبكى) وهو الجدار الغربي للمسجد الأقصى، أخذ تسميته من ربط سيدنا محمد دابته ليلة الإسراء والمعراج به، ويعتبر جزءا من سور المسجد، ويجاوره مباشرة بابه المسمى باب المغاربة.

تقول أحد الشابات على الهاتف: "اه هينا في القدس، بس مش عارفين وين احنا" تقولها بانبساط واضح، بينما تشاركها صديقاتها في فرح الوجود في القدس والتيه في حاراتها وأزقتها، قبل أن يقمن بأخذ صورة جماعية أمام أحد المحال التي تبيع قطع الآثار القديمة .

أكثر ما يشاهده المتجول في أسواق القدس، بسطات خشبية ومعدنية ممتلئة بأصناف وألوان إحدى أهم وأشهر ما تعود به من المدينة، يطلق المعظم عليها اسم: حسنات. وفي مناطق جغرافية ولهجات متعددة، يسمونها: زواكي، تفاريح، سوس، حيايا، كاندي، غامي، جلي، شطي مطي، حوايج، طأة.. مسميات مختلفة لأكثر هدية ينتظرها الأطفال. إضافة إلى كعك القدس وخبزها وحلوياتها وفلافلها وعصائرها الطبيعية.

في القدس، أنت عابر في عُرف الاحتلال الزائل، وليس أمامك سوى بضع ساعات قبل أن تنتهي اقامتك المرتبطة بجداول عمل ساعات الحواجز والمعابر الزائلة. في القدس، لا تعرف أين تذهب، لكنك لا تغلق عينيك أبداً، محاولاً بقدر استطاعة حدقة (بؤبؤ) عينيك أن تلم المدينة، بناسها ومحالها وبضاعتها وجبالها وشجرها وأزقتها وأسماء حاراتها، وتراثها وتاريخها ومقدساتها ومبانيها، أن تصنع منهم جميعاً ذاكرة بصرية، وذكريات ترويها في الدقيقة الأولى لوصولك إلى بيتك، وبعد عشرين واربعين وستين عاماً، أمام أولادك وأحفادك. الجميع من القدس يعود بصورة شخصية، ألبوم صور للمدينة، موقف يُروى، جملة، نص، قصيدة، معلومة لمنصات التواصل الاجتماعي، وهناك من يعود منها بكتاب. لا أحد يعود من القدس خالي اليدين!

حتى أولئك الذين يهبطون من الحافلات التي أقلتهم إلى مدنهم وبلداتهم، تراهم وهم يغادرونها إلى مواقف السيارات أو طرقهم المختلفة، يبتسمون ويتلقون التهاني وعلى وجوههم راحة كالعائدين من نصر أو زيارة حبيب. فالقدس حبيبة.

لم نذهب جميعا إلى القدس، لكننا نتمنى، وما بيننا وبينها أكثر من أمنية، فقد استشهد البعض وهو يحاول الوصول (آخرهم، قبل ثلاثة أيام، الشهيد الفتى عبد الله غيث 16 عاماً من الخليل، قرب وادي أبو الحمص بين بيت لحم والقدس)، واعتقل المئات على مفترقات طرق وحواجز وجدران ومن داخل مركبات، لحظة محاولتهم عناق مدينتهم المحتلة.

وحدة قياس المسافة بين مدينة القدس وأي فلسطيني: الشوق وليس الكيلو متر. وهي مسافة الصفر بين أي قلب وعقل فلسطيني.

ha

إقرأ أيضاً

الأكثر زيارة

Developed by MONGID | Software House جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2026