تعود ذكرى محمد…
تعود ذكرى محمد…
ذكرى اليوم الذي غاب فيه ابني عن عيني، وبقي في قلبي، وفي تراب هذه الأرض التي أحبها ودافع عنها.
لم أكن إلى جانبه يوم ارتقى شهيداً . كنت في ذلك الوقت ما زلت خلف قضبان الأسر، في زنازين العزل الانفرادي، أعيش الأسر والانتظار، ولا أعرف أنني سأعود يوماً إلى المكان الذي ارتقى فيه ابني لأراه بعيني، وأضع يدي على ترابه.
كنت أحلم بمحمد كما يحلم كل أب بابنه.
كنت أحلم أن يكبر أمامي، أن أراه يشق طريقه في الحياة، أن يصبح طبيباً أو مهندساً، وأن يخدم وطنه، وأن يعيش في دولة فلسطينية حرة مستقلة، بعيداً عن الاحتلال.
كنت أقول دائماً:
(أحلم أن يكبر ابني ويعيش بدولة فلسطينية حرة مستقلة وبدون احتلال، وأحلم أن أراه طبيباً أو مهندسًا يخدم بلده، إن سمح له الاحتلال أن يعيش).
ولكن الاحتلال كان له بالمرصاد.
محمد عرف واجبه، وأدرك طريقه، واختار أن يقاوم الاحتلال، حتى ارتقى شهيداً مدافعاً عن ثرى وطنه.
وحين وصلني خبر استشهاده، لم أستطع أن أكون هناك.
لم أستطع أن أحتضنه، ولا أن أقبّل جبينه، ولا أن أودعه كما يودع الأب ابنه.
بقيت خلف القضبان، وبقي محمد في الأرض التي أحبها.
واليوم، بعد أن تحررت من الأسر، عدت إليه.
ذهبت إلى المكان الذي ارتقى فيه محمد ورفاقه في طوباس.
وقفت هناك طويلاً...
كان المكان صامتاً، لكنني شعرت أن كل شيء فيه يتحدث معي.
التراب… الحجارة… الهواء… وكل شبر من الأرض كان يحمل شيئاً من حكاية ابني.
لم أجد شيئاً أصدق من أن أزرع شجرة.
أحضرت زيتونة من قصرة، من بلد الصمود، وزرعتها في المكان الذي ارتقى فيه محمد.
غَرستها بيدي، وأنا أعرف أنني لا أستطيع أن أعيد ابني.
لكنني أستطيع أن أترك له شيئاً ينمو هناك.
شيئاً يكبر مع الأيام، وتمتد جذوره عميقاً في تراب فلسطين، وتعلو أغصانه نحو السماء.
هذه الزيتونة ليست مجرد شجرة بالنسبة لي.
هي محمد.
هي ذكراه.
هي الحلم الذي لم يستطع الاحتلال أن يقتلَه.
كلما كبرت، سأراها كما كنت أتمنى أن أرى محمد.
كنت أريد لمحمد أن يعيش ويخدم وطنه، لكن الله كتب له طريقاً آخر.
ارتقى شهيداً ، وحلّق في السماء وفي علياء المجد والخلود.
أما أنا، فسأبقى أعود إلى مكانه.
سأجلس هنا، وأتحدث إليه.
سأقول له إن أباه عاد.
عاد من الأسر، وعاد إلى الأرض التي ارتقى فيها، وسيعود إلى المكان الذي يحتضن جثمانه.
وسأقول له:
يا محمد… لم أستطع أن أودعك يوم رحلت، لكنني اليوم غرست لك زيتونة، وستبقى شاهدة على أنك كنت هنا… وأنك ما زلت هنا.
ستكبر الزيتونة يا بني…
وستبقى فلسطين تكبر بأبنائها، بالشهداء، وبكل من تركوا خلفهم حلماً بوطن حر.
أما أنت، يا محمد…
فستبقى في قلبي، وفي هذه الأرض، ما بقيت الزيتونة شامخةٌ.

الأخبـــــــار
اليوم | 21:52
153

