الأسير حسن سلامة والكوميديا الإلهيّة
الكاتب: عيسى قراقع
أنا المسؤول عن جهنم، وأنت في جهنم الآن، أريد أن أقتلك، أريدُ أن أَعدمَك، جهنم ليست في السماء، جهنم هنا في ساحات سجون الاحتلال، بهذه الكلمات الشيطانيّة هدّد الوزير الإسرائيلي المُتطرِّف ابن غافير الأسير الفلسطينيّ حسن سلامة عندما اقتحم زنزانته يوم 27/9/2026.
بعد ثلاثين عاما من اعتقال حسن سلامة المحكوم بثمانية وأربعين مُؤبَّدا وثلاثين عاما، قضى معظمها في العزل الانفرادي، يظهر رجل من الجنس الملعون، ومن دولة لعينة ويدخل إلى عالم البرزخ، الذي يقبع فيه حسن سلامة سنين طويلة، هناك في المكان البعيد الصامت المجهول، حيث يدفن الأسرى تحت وطأة الرعب والملاحقة والحرمان، والقهر والغموض في الزمان والمكان، هناك حيث السيف والتوراة والرصاص والمشانق، كيف نجا حسن سلامة؟ لا بد أنها شجاعة المعاناة.
كان ابن غافير ينتظر طوال هذه المدة أن يصاب حسن سلامة بالجنون والهستيريا، وفقدان التوازن النفسي والاضطراب والعصاب، أن يفقد ساعته البيولوجية ويستسلم وينهار، أن يفقد الذاكرة ويخرج من المعركة جثة، كيف نجا حسن سلامة؟ لابد أنها قوة الروح الداخلية التي لا يفهمها الجدار.
ابن غافير مهندس سياسة الإبادة العلنية في السجون الصهيونية بالتّجويع والتعذيب، والعزل والضرب والأمراض والاغتصاب، كان ينتظر أنْ يتعفّن حسن سلامة، ويثبت أن التحمل والصبر والمقاومة بلا جدوى، كان ينتظر أن يتجمد حسن سلامة، وتتبخّر أحاسيسه ومشاعره وحيويّته، وأن يتمنى الموت بسرعة بدلا من أن يأتيَه ببطء وعلى مهل، كيف نجا حسن سلامة؟ لا بُدَّ أنها الإرادة، المساحة الأخيرة للحرية.
اجتمعت حكومة الجحيم في تلِّ أبيبَ، وقررت إرسال زعيم المجرمين؛ ليفحص عن أسباب صمود حسن سلامة وآلاف الأسرى، رغم منظومة القمع الممنهجة والمفترسة، فوجده حيًّا يخاطب الشمس والنجوم في الكون، يعيش مطمئنا في برزخه بين عالم الموت والحياة، لم يكن وحيدا، يرافقه الكاتب والشاعر دانتي في جولته داخل الكوميديا الإلهية، وسمعوه يقول له: لا تَدَعْ خوفك يُؤْذِكَ، فَكُنْ على يقين أنّه لا توجد قوة في يده تمنعك من النزول الآمن من هذه الصّخرة، لماذا نجا حسن سلامة؟ لا بُدَّ أنّها غزّة تأتيه كلَّ ليلة بأمل ووعد وحياة.
ابن غافير الجهنمي مُحَاطٌ بالحراسة في زنزانة عارية، يقف أمام حسن سلامة بقامته العالية الواثقة الهادئة، ابن غافير يرتجف ويزعق ويزبد ويستعرض أمام أسير مُقيَّد ينظر إليه بسخرية، ما هذه الدولة الاسبارطيّة التي تخشى من أسير لا يحمل سوى وطنا وأفكارا وذاكرة؟! لا بُدَّ أنها شجاعة التضحية.
يبدو أن ابن غافير قرأ كتاب حسن سلامة: خمسة آلاف يوم في عالم البرزخ، فوجد إنسانا يفكّك منظومة الاستعمار من داخل زنزانة، ويصنع تاريخا ومستقبلا، ويحول ساحة السجون إلى ساحة للتّحرّر، وجد شاهدا ولائحة اتّهام، وشعلة لإنتاج معنى الحريّة في قلب الظلام، لماذا نجا حسن سلامة؟ لا بُدَّ أنها عقيدة الصمود والإيمان.
ما لا يفهمه ابن غافير وحكومته الفاشية، أنّ حسن سلامة خَلَقَ عالما مُوازيا خلف الجدران والأسلاك الشائكة، يلتقي مع حبيبته وخطيبته غفران زامل كل لحظة، وهي نفسها بياتريس في الكوميديا الإلهية، تمسك بيده وتقوده من الجحيم إلى الفردوس والعالم، قوة الحب التي تعيد بناء الحياة والإنسان، الحبّ الذي يتجاوز الرغبة، ويتحوّل إلى معرفة؛ ليصبح قوة، تنقل الإنسان من ظلمة الوجود إلى إمكان الخلاص، لماذا نجا حسن سلامة؟ لا بُدَّ أنّها الحبيبة والمرشدة الرّوحيّة.
دولةٌ هَشَّةٌ تُثير الشّفقة، هَمَسَ حسن سلامة وهو يشاهد بن غافير يحاول الخروج من الهاوية، بعد أن غرقت دولة إسرائيل في دماء الفلسطينيّين، السّجّان يطلب الحريّة من السّجين، هذا السّجّان الذي يملك مفاتيح المكان جاء ليتأكد أنّه مازال سيِّدًا على البشاعة وقفل الباب، زعيم جهنم كان محاصرا يطلب المغفرة من الضحية، لماذا نجا حسن سلامة؟ لا بُدَّ أنّها معجزة الرّوح الحرّة في أعماق الإنسان.

مقالات وآراء حرة
2026-10-09 | 14:09
363