اتصل بنا

الآن

غزة.. النجاة بثمن باهظ


الكاتب: ابراهيم محمد

في غزة، لا تقتصر خسائر الحرب على القتلى والمنازل المدمرة، بل تمتد إلى قدرةالإنسان على تقرير مصيره، فحين يصبح المنزل مصدرا للخطر، ويغيب المأوىالبديل، لا يعود البقاء خيارا آمنا، ولا تصبح المغادرة طريقا مضمونا للنجاة، وبيناحتمالين تحكمهما الضرورة، يجد الإنسان نفسه مضطرا إلى تدبير بقائه بدلا مناختيار الحياة التي يريدها.

رأيت ذلك حين كان المنقذون ينتشلون الجثامين من تحت ركام مبنى منهار في حيتل الهوى، غرب مدينة غزة، وعندما أخرجوا طفلة من بين الأنقاض، كان وجهها غارقابالدماء.

فزع الواقفون فوق الركام، وسارعوا إلى نقلها بسيارة الإسعاف، أملا في أن تكونعلى قيد الحياة، تحركوا بسرعة، كأن هذا الاحتمال الضئيل يستحق كل محاولةلإنقاذها، لكن الطفلة كانت قد فارقت الحياة.

لم يكن المشهد مجرد مأساة أخرى في حرب طويلة، فقد كشف انقلاب وظيفةالمنزل، من ملاذ يفترض أن يحمي أصحابه إلى مكان قد يدفنهم تحت أنقاضه، وفي هذا الانقلاب، لا يفقد الإنسان جدرانا وممتلكات فحسب، بل يفقد أحد الشروطالأساسية للشعور بالأمان: امتلاك مكان يستطيع أن يعيش فيه من دون أن يترقبانهياره.

لكن المأساة لا تنتهي عند الركام، فمن يبقى في منزل متضرر قد لا يختارالمخاطرة، بل يعجز عن إيجاد بديل، ومن يغادر قد ينتقل إلى مأوى مؤقت لا يضمنله الاستقرار، وهكذا، لا يعود السؤال متعلقا بقرار البقاء أو المغادرة وحده، بلبالشروط التي ترك الناس في ظلها لاتخاذ قرار لا يملكون خيارات آمنة بشأنه، فالاختيار الذي لا تتوافر له بدائل حقيقية قد يبدو حرية، لكنه في جوهره استجابةلواقع مفروض.

من هنا، تنتقل القضية من حدود الخسارة الفردية إلى المسؤولية السياسيةوالقانونية، فمن المسؤول عن حماية المدنيين؟ وكيف تجري محاسبة المسؤولين عنالانتهاكات؟.

ولا يمكن تحديد المسؤولية القانونية عن انهيار مبنى بعينه من دون فحص ملابساتهوأدلته، لكن حماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني يظلان التزامينأساسيين، كما أن التعامل مع مخاطر المباني المتضررة لا يحتمل ترك الأسرتواجهها منفردة.

إن فحص الأبنية المهددة، وتوفير أماكن بديلة آمنة، وضمان الخدمات الأساسيةليست تفاصيل إغاثية منفصلة عن السياسة، بل شروط تمكن الناس من استعادةالحد الأدنى من السيطرة على حياتهم، وحين يترك الفرد ليواجه هذه المخاطربموارده المحدودة، تتحول النجاة من حق ينبغي ضمان شروطه إلى عبء شخصييطلب منه تدبيره مهما كانت قدراته.

ويمكن وصف هذه الحالة بأنها "سياسة البقاء": حين تستحوذ ضرورات اليوم علىالوقت والطاقة اللذين يحتاج إليهما الإنسان للتفكير في الغد، فالبحث عن الماءوالعلاج والمأوى ليس مجرد سلسلة من الاحتياجات اليومية، إنه استنزاف مستمرللقدرة على التخطيط، والعمل، والمشاركة في الشأن العام.

وكلما طال هذا الاستنزاف، تقلصت المساحة التي يستطيع الناس فيها الانتقال منتدبير احتياجاتهم العاجلة إلى التأثير في الظروف التي تحكم حياتهم.

وهنا تكمن المفارقة: قدرة الناس على ابتكار وسائل للعيش وسط الدمار دليل علىإرادتهم، لكنها ليست دليلا على أن الظروف أصبحت قابلة للاحتمال، فالاحتفاءبالصمود، إذا انفصل عن مساءلة أسباب المعاناة، قد يحول قدرة المجتمع علىالتكيف إلى ذريعة لتطبيع ما يفرض عليه، وليس من العدل أن يصبح نجاح الناسفي تدبير بقائهم سببا لتجاهل واجب حمايتهم.

فالصمود يستحق التقدير، لكنه لا يعفي المسؤولين من مسؤولياتهم، ولا يحولالحرمان من الأمان إلى أمر طبيعي.

وتظهر أهمية هذه المسألة بوضوح في إعادة إعمار غزة، فإعادة البناء ليست سؤالاعن عدد المنازل التي ستشيد أو الطرق التي ستفتح فحسب، بل عن الجهة التيتحدد الأولويات، وكيفية توزيع الموارد، ومقدار تأثير السكان في القرارات التيستعيد تشكيل حياتهم.

فإذا اقتصر دورهم على تلقي ما تقرره الجهات الأخرى، فقد تستعاد المبانيوالخدمات من دون أن تستعاد قدرتهم على المشاركة في تحديد مستقبلهم.

لذلك، لا تكفي استشارة السكان بصورة شكلية، المطلوب أن تكون لهم مشاركةفعلية في قرارات السكن والخدمات وتوزيع الموارد، وأن يتمكنوا من مساءلة الجهاتالمسؤولة عن التنفيذ، فإعادة الإعمار التي تستبعد الناس من صنع قراراتها قد تعيدبناء المكان، لكنها لا تضمن استعادة إحساسهم بأن مستقبلهم ليس شأنا يقررهالآخرون نيابة عنهم.

وكلما استعدت مشهد الطفلة التي أخرجت من تحت الأنقاض، والواقفين الذينسارعوا إلى نقلها على أمل إنقاذها، عاد إلي سؤال يسبق كل حديث عن التعافي: ما قيمة الوعود بإعادة الحياة إذا ظل الإنسان عاجزا عن ضمان أبسط شروطبقائه؟

في تلك اللحظة، لم يكن المطلوب من الواقفين أن يكونوا أكثر صمودا، بل أن تتاحللطفلة فرصة حقيقية للنجاة.

فقد تبنى المنازل من جديد، وتفتح الطرق، وتعود الخدمات تدريجيا، لكن انتهاءالدمار لا يعني تلقائيا استعادة الأمان، فالتعافي الحقيقي يبدأ حين لا يضطرالإنسان إلى استهلاك يومه في تفادي الخطر، وحين يصبح قادرا على التفكير فيمايتجاوز النجاة، والمشاركة في القرارات التي تحدد شكل حياته.

لهذا، لا يقاس التعافي بما يزال من ركام وما يبنى مكانه، بل بما يستعيده الناسمن أمان وحرية في الاختيار وقدرة على تقرير المصير.

فإعادة بناء الحجر تستعيد المكان، أما إعادة الإنسان إلى موقعه بوصفه صاحبحق في الأمان وشريكا في تقرير مستقبله، فهي الاختبار الأعمق لمعنى إعادةالحياة.

re

إقرأ أيضاً

الأكثر زيارة

Developed by MONGID | Software House™ جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2026