*قتيبة مسلم أبو حمدي*
إلى أخي وصديقي ورفيق الدرب، القائد جواد اشتية، ابن قلعة تلّ الكبرياء والشموخ…*
يا جواد، يا ابن الأم التي لم تتعب من الانتظار، ويا ابن الأرض التي تعلّمت من صبر أهلها كيف تبقى واقفةً في وجه الريح…
قرأتُ رسالتك إلى أمّك، تلك الرسالة التي لم تكن حروفًا على ورق، بل كانت نافذةً مفتوحةً على ثلاثين عامًا تقريبًا من الغياب المتراكم، وعلى قلبٍ تعلّم أن يحمل وجعه بصمت، وأن يخبّئ حنينه خلف كلماتٍ تبدو قوية، فيما ترتجف في أعماقها ألفُ حكاية.
يا صديقي، أعرف أن للسنوات في حياة الرجال حسابًا، لكنّ للأم حسابًا آخر؛ فالسنوات التي تمرّ على الناس تمضي، أمّا السنوات التي تمرّ على قلب أمّ تنتظر ابنها، فإنها لا تمضي تمامًا، بل تستقرّ في تفاصيل البيت، في عتبة الباب، في فنجان القهوة، وفي كلّ مساءٍ تتلفّت فيه الأمّ نحو الطريق، كأنّ الغائب قد يقرّر فجأةً أن يعود.
*أمّا أمّك يا جواد، فدعني أقول لك ما قد لا تستطيع هي أن تقوله كلّه:*
يا ابني،
أنا لا أنساك حين أنام، ولا حين أستيقظ، ولا حين أُشغل يديّ بأعمال البيت كي لا ينكشف فراغهما. أنت معي حين أرتّب الأشياء، وحين أترك مكانًا في قلبي لا يستطيع أحدٌ أن يجلس فيه سواك.
ثلاثون عامًا تقريبًا، يا بني، وما زلتُ أراك ذلك الولد الذي خرج من حضني ولم يخرج من روحي. كبرتَ في حساب الزمن، لكنّك في عيني ما زلتَ ابني الذي أخاف عليه من برد الليل، وأتمنّى لو أستطيع أن أضع يدي على رأسه وأقول له: نام يا حبيبي، أمّك هنا.
لا تسألني إن كنتُ أنتظرك؛ فالانتظار ليس سؤالًا عند الأمّ، بل هو طريقةٌ أخرى للحياة. أنا أنتظرك في دعائي، وفي دمعتي التي أمسحها قبل أن يراها أحد، وفي كلّ خبرٍ يطرق سمعي، وفي كلّ بابٍ يُفتح، وفي كلّ وجهٍ يشبه وجهك من بعيد.
يا جواد، لا أريد من الدنيا شيئًا يعوّضني عنك. لا تعوّض الأمَّ الهدايا، ولا الكلمات، ولا السنوات التي تأتي بعد الغياب. ما تريده الأمّ بسيطٌ بقدر ما هو عظيم: أن ترى ابنها أمامها، أن تسمع صوته من دون حواجز، وأن تطمئنّ عليه بعينيها لا بأخبار الآخرين.
وإذا سألتني يومًا: هل تعبتِ من الانتظار؟ فسأقول لك: تعبتُ من الغياب، لكنني لم أتعب من حبّك. فالانتظار حين يكون لابنٍ، يصبح جزءًا من القلب، والقلب لا يخلع أبناءه كما يخلع المرء معطفه عند المساء.
*وأمّا أنا، يا أخي وصديقي جواد، فأكتب إليك من موقع الأخ الذي يعرف أن للغياب أثقالًا لا يراها إلا من عاش شيئًا من ليلها.*
أكتب إليك لا لأذكّرك بما تعرف، بل لأقول لك إنّ خلف كلّ رجلٍ صابر أمًّا دفعت من عمرها ثمنًا لا يظهر في التواريخ، وإنّ خلف كلّ عودةٍ منتظرة قلبًا ظلّ يحرس مكانًا شاغرًا، ويرفض أن يسمّي الغياب نهاية.
يا ابن قلعة تلّ، يا ابن الكبرياء الذي لا يعلو على الحنان، ويا ابن الشموخ الذي لا يكتمل إلا بالوفاء…
إنّ أمّك لا تنتظر عودتك لأنّها نسيت كيف تعيش من دونك، بل لأنّها لم تقبل يومًا أن يكون الغياب قدرًا نهائيًّا. لقد تعلّمت أن تعيش، نعم، لكنها أبقت في حياتها نافذةً لك، ومقعدًا لك، ودعاءً لا يشيخ، وحنينًا لا يحتاج إلى مناسبة كي يستيقظ.
وأنا، يا صديقي، أقول لك إنّ الأمهات لا يطلبن من أبنائهنّ أن يعيدوا السنوات التي مضت؛ فذلك مستحيل. إنهنّ يردن فقط ألّا تضيع السنوات القادمة في المسافة ذاتها، وأن يأتي اليوم الذي يصبح فيه العناق أقوى من الرسائل، ويصبح الصوت أقرب من الذاكرة، وتستريح العين من مراقبة الطريق.
يا جواد، ليس في وسعنا أن نعيد الزمن إلى الوراء، لكنّ في وسعنا أن نحفظ ما تبقّى منه للحبّ، وللأمّ، وللبيت الذي لا يزال يعرف اسمك، وللأيام التي تستحقّ أن تُعاش بقرب من نحبّ.
وأنا إذ أكتب إليك، لا أكتب بلسان أمّك وحدها، بل بلسان كلّ قلبٍ عرف الانتظار، وكلّ إنسانٍ تعلّم أن وراء الأبواب المغلقة حكاياتٍ لا تُروى كاملةً، وأن بعض الغياب لا يملأه الكلام مهما كان صادقًا.
أخي جواد…
ستبقى أمّك أمّك، مهما امتدّت السنوات، وسيبقى اسمك في دعائها كما لو أنّها تناديك من الغرفة المجاورة. وستبقى أنت ابنها الذي لا يختصره غياب، ولا تمحوه المسافات، ولا تنقص من مكانته الأعوام.
وأمّا أنا، فسأبقى أخاك وصديقك، أحمل لك المحبة والوفاء، وأقول لك ما أقوله لكلّ عزيزٍ أنهكته السنوات: لا تدع الغياب يقنعك بأنّ الحبّ صار بعيدًا؛ فهناك قلوبٌ لا تزال تنتظرك كما ينتظر الفجر آخر خيطٍ من الليل.
*إلى أمّ جواد:*
سلامٌ على قلبك الذي طال انتظاره ولم يتخلَّ عن الأمل، وسلامٌ على يديك اللتين حفظتا مكان ابنك في الدعاء، وعلى روحك التي جعلت من الصبر بيتًا ومن الحنين صلاة.
*وإلى جواد اشتية:*
من أخيك وصديقك، أقول لك: إنّ للأمهات حقًّا في أعمار أبنائهنّ، لا لأنهنّ يملكن الزمن، بل لأنهنّ منحْنَ أبناءهنّ أول أعمارهم، ثم قضين بقيّة العمر ينتظرن أن يعود إليهنّ شيءٌ من ذلك العمر في هيئة عناق.
يا جواد، لعلّ أجمل ما يمكن أن نهديه لأمهاتنا ليس اعتذارًا عن السنوات التي سُرقت من أعمارنا، فبعض السنوات لم نكن نملك قرارها، بل أن نحفظ لهنّ في القادم من الأيام حقّ القرب، ودفء اللقاء، وطمأنينة القلب.
*ستبقى الأمّ تنتظر، وسيبقى الابن ابنها، وسيبقى الوفاء جسرًا لا تهدمه السنوات.*
أخوك وصديقك،
*قتيبة مسلم أبو حمدي*

مقالات وآراء حرة
اليوم | 11:51
87