فتوح: بدء التحضيرات لاستكمال انتخاب أعضاء المجلس الوطني في دول الشتات    الاحتلال يمنع مزارعين من حصاد أراضيهم في سالم شرق نابلس    محافظ الخليل: أعمال لجنة الإعمار والترميم في البلدة القديمة تعزز صمود المواطنين وتحسن ظروفهم    دائرة شؤون القدس: الاحتلال يوظف الهدم لإعادة هندسة الواقع الديمغرافي في القدس    الرئيس يتسلّم التقرير السنوي للنيابة العامة لعام 2025    73,035 شهيدا و173,368 مصابا في قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول 2023    في ثاني استهداف لمركبة خلال ساعتين: استشهاد مسعف وإصابة آخرين في قصف الاحتلال مركبة غرب خان يونس    بعد هدم منزل وبناية سكنية: إصابة برصاص الاحتلال في كفر عقب شمال القدس    الاحتلال يقتحم أرض بطريركية الروم الأرثوذكس في سلوان    باكو: وفد من المجلس الوطني يشارك في مؤتمر اتحاد مجالس الدول الأعضاء بمنظمة التعاون الإسلامي    استشهاد فتاة وإصابة آخرين في قصف الاحتلال وسط مدينة غزة    محافظة القدس: دعوى استعمارية بمليون ونصف شيقل ضد عائلة الرجبي في بلدة سلوان بمدينة القدس    الاحتلال يصعد عدوانه في الضفة وغزة: 3 شهداء بينهم طالبة وهدم منازل في القدس وبيت لحم    الدولار على استقرار مع انتهاء الجولة الأولى من المحادثات الأميركية- الإيرانية    قطر تعلن عن 18 مفقودا و54 مصابا جراء الانفجار برأس لفان  

قطر تعلن عن 18 مفقودا و54 مصابا جراء الانفجار برأس لفان

الآن

جبرا إبراهيم جبرا في ذكراه الثامنةَ عشرة - د. إبراهيم خليل


على الرغم من أن جبرا توفي في ديسمبر من العام 1994 فإن آثاره ما زالتْ تثير الجدل في أوساط الأدباء العرب عامة والفلسطينيين على نحو خاص، وليس أدلّ على ذلك من "الندوة "التي أقيمت في منتدى كبار الرواد بعمان، أسهم فيها عدد من الباحثين تناولوا آثاره بشيء من التعْريف.
وتعزى هذه الاهتمامات، في الغالب، لما طبعت عليه آثاره من تنوّع، فهو رائد في مجال القصة القصيرة، فقد أصْدر في زمن مبكر 1956 أولى مجموعاته القصصية: عرق وقصص أخرى. التي لفتت عددًا من الدارسين، من بينهم توفيق صايغ (1974) الذي يرى فيها بحثا عن صراع الإنسان بين المدنية والبداوة، وهاشم ياغي (1965) الذي وجدها نموذجا للقصص الذي يراوح فيه المؤلف بين الرومانسية والواقعية بالمفهوم الذي يتبناه ياغي وهو المفهوم الماركسي. أما على الفزاع (1985) فقد رأى فيها قصصًا لا تسلط الضوء على الهم الفلسطيني مثلما هي الحال في سائر رواياته، وأشْعاره، وهو يرواح بين الحوار والمونولوج الداخلي، ولا سيما في قصتي "عرق"و"المغنون في الظلال". وبفضل هذه المجموعة عدّهُ نعيم اليافي من روّاد القصة الشاميّة القصيرة.
وأما الرواية، فكان قد كتب أول رواية باللغة الإنجليزية، وهي رواية "صراخ في ليل طويل"1946 ويشير روبرت اليسوعي في "أعلام الأدب العربي المعاصر"إلى صدور الطبعة الأولى من الرواية في القدس، وهذه الإشارة مستقاة من جبرا، لكنَّ أحدًا ممن كتبوا عنه، وعن رواياته، لم يفد بالاطلاع على هذه الطبعة الأولى، وهلْ كانت بالإنجليزية أم بالعربية، ويذكرُ المؤلف نفسُه أي اليسوعي- أن الرواية أعيدت طباعتها ببغداد سنة 1955، وهذه هي الطبعة المتداوَلة بعد أن أعيد نشرت في دمشق1954 وبيروت1977ثم بيروت 1982. أما رواية "صيادون في شارع ضيق"فهي منْ أولى رواياته (1960) وقد كتبها هي الأخرى بالإنجليزية، وترجمها للعربية د. محمد عصفور، (ط4، 1988) وهي الرواية التي وضعته في ذروة الكتاب الروائيين العرب. وسرْعان ما تتابعت رواياته كالسفينة (1969)، والبحث عن وليد مسعود(1978)، والغرف الأخرى (1985)، وأخيرًا يوميات سراب عفان (1992). وفي جلّ هذه الروايات إذا تخطينا روايته المشتركة مع عبد الرحمن منيف عالم بلا خرائط- ثمّة خيْط رفيعٌ يَظهر، ويختفي، وهو ارتباط الكاتب ببلدته بيت لحم، وبمدينة القدس التي أقامَ فيها، وعرف الكثير من الأشخاص الذين كان لهم تأثيرهم الجليّ في حياته، وبصفة خاصة استأثرتْ بغداد بالقسْط الأكبر من عنايته التي تتجلى في صيادون في شارع ضيق.
لجبرا شعرٌ رقيق، فهو من أوائل الذين كتبوا قصيدة النثر، ونشر ذلك في مجلة "شعر". ومن دواوينه المشهورة ديوان "تموز في المدينة"1959، وديوان "المَدار المغلق"1964، وديوان "متوالياتٌ شعريّة"1996 الذي صدر بعد رحيلهِ وقدم له عبد الواحد لؤلؤة. وقد عُنيَ بشعره نقادٌ من بينهم محمد عصفور1996. وكان قد جرى تجاهل شعرهِ بادئ الأمر، غير أن كمال خير بيك يؤكد في كتابه "حركة الحداثة في الشعر العربي المعاصر" (1974) أن ديوانه "تموز في المدينة" وقصائدة في "المدار المغلق" حريّة أنْ يصار إلى تفحُّصها في ضوء التصورات المستقبليّة لحركة الحداثة (ص58-59) ومعنى ذلك، فيما نحسَبُ ونظنّ، أنَّ قصائده تلك ظهرت قبل الأوان. ويُذكرُ أنَّ لجبرا إسهاماتٌ كبيرة في نقد الشعر، وهو من المؤثرين كثيرًا في بدر شاكر السياب، ودراساته عن شعره من أبْرز ما كتب، ومن ذلك دراسَتُهُ لقصائد "شباك وفيقة"، و"المعبد الغريق"، و"دار جدي". وكتب جبرا عن الجواهري، ونزار قباني، وتوفيق صايغ، ويوسف الخال، وكتبُه: النار والجوهر، والرحلة الثامنة، والحرّية والطوفان، وينابيع الرؤيا، معْروفة مَشْهورَة، وفي نقده التطبيقي يلقي في الطريق بالمُصطلحات التي يشتقها أو يصوغها بابتكاره، فتغدو مُتداوَلة سَيّارَة، ومن ذلك مُصْطلح الشعراء التموزيّين، ومصطلح القناع، ومصطلح الرؤيا، ومصطلح المونولوج الدرامي، والتضمين، والجهر، والمباشرة، والذرْوَة التي قصد بها بلوغ العمل الأدبي قمة تمثل بالنسبة لبناء النص ما يشبه قمَّة الهرم، أي أنه تلمّس ما يُعرف بالبنية الذروية للنص الشعري. أما على مستوى المنهج، فقد راوح جبرا بين الانطباعيّة، والانبهار بنظرية الشكل عند النقاد الأنجلو- أمريكيين، من أمثال: بروكس Brooks ورانسوم Ransom وسواهما. وتأثر في بعض دراساته بالنقد الإيديولوجي، لا سيما قراءته لشعر الجواهري، ولشعر عبد الرحيم محمود، ولأدَبِ الحرْب العراقية الإيرانية. وظهرتْ في نقده التطبيقي أيضًا ملامح من النقد الأسطوري، متأثرًا في ذلك بيونغ Jung ونورثروب فراي Frye. وهو كثيرُ الإشارة لذلك، لا سيّما بعد ترجمته لكتاب فرانكفورت "ما قبل الفلسفة "والجزء الأول من كتاب جيمس فريزر المَوْسوم بعنوان "أدونيس وفرودايتي".
ولا يُعرفُ بيْن كتاب القصّة، والرواية، والشعراء، من كانتْ له عناية بالفن التشكيلي كجبْرا، وهو أحد أعضاء "جماعة الفن الحديث" التي ظهرتْ في بغداد، وكانَ لها دورُها المَعْروف في نقل الفنون التشكيليّة من التقليد العقيم إلى الحَداثة، بما فيها من ابتكار، وإبداع، ومن الفنانين الذين تردَّدوا إلى هذه الجماعة فائق حسن، وشاكر آل سعيد. وقد كتبَ جبْرا في الرسم والألوان، وكتب عن النحت، والنقوش السومريّة، من المقالات ما لا يُمكن استقصاؤه، وحصْره. ونشر بعض ما كتبه في كتب منها: تأملات في بنيان مرمري، وكتاب أقنعة الحقيقة وأقنعة الخيال، وصدر بعد وفاته الكتاب الذي قدم له إبراهيم نصرالله عن الفن 2000، وهو بعنوان "الفن والفنان - كلمات في الفن التشكيلي".
أما الترْجمَة عن اللغة الإنجليزية، فقد أسهم جبرا بترجماته في تطوير الكتابة العربية شعرًا، ونثرًا، ونقدًا، ترجم على سبيل المثال بعض مسرحيات شكسبير، ومنها مسرحية الملك لير، ومسرحية عُطيل، وترجم أشعارًا لغير شاعر أمريكي، وسونيتات لشكسبير، التي قدم لها بمقدمة تعرف بهذا الفن، وتبين ما فيه من اختلافات تميز بها بترارك عن شكسبير. وترجم، مثلما ذكرنا من قبل، كتبا لجيمس فريزر، وفرانكفورت، وغيرهما. وقد شهد المتخصّصونَ في الترجمة ببراعته في هذا، وممّن يؤكد هذا عبد الواحد لؤلؤة، الذي عرض في كتابه "شواطئ الضياع" 1999 لبَعْض ترجماته، وهيَ كثيرة جدا.
لذا فهو كاتبٌ موسوعيٌّ لمْ يدع فنا من الفنون إلا وكان له فيه أثرٌ حتى الموسيقى كتبَ فيها، وألّفَ، والسيرةُ له فيها كتابان. أولهما هو كتاب البئر الأولى (1987) والثاني هو شارع الأميرات (1994). في الأول منهما يكتب جبرا السيرة بأسلوب روائي، فالسرد فيها يشبه سرده في رواياته لا سيما رواية البحث عن وليد مسعود، وهْي: أي السيرة تتبّع بالتذكير طفولته حتى بلوغ التاسعة من العمر، وليته فعل ذلك في شارع الأميرات. لأنه في هذا الكتاب انقطع عن تتبع المراحل اللاحقة، واثبا إلى مرحلة الدراسة في لندن، وبذلك حرمنا من الكثير الذي نتوقعه عن خفايا حياته وأسرته، وحياة أخية، وما كان له من ذكريات في القدس، والكلية العربية، التي التقى فيها ببعض النابهين، من مثل: إميل حبيبي، وإحسان عباس، وناصر الدين الأسد، ومحمود السمرة، وآخرين.. غدوا من بناة النهضة الأدبية في فلسطين وفي الأردن. جبرا الذي مضت على رحيله بضعة أعوام ما زالت آثارُه؛ الشعر منها، والنثر، والنقد، والترجمة، والسيرة، والمقالات التي تدور في فضاء الرسم والنحت، والموسيقى، تثير شهيّة الدارسين، فينكبوا عليها، ويصنفون حولها المُصنفات، وهذا يؤكد أن المبدع الأصيل تظلُّ قيمة آثاره بعد رحيله كقيمتها في أثناء حياته إنْ لم تكنْ أكبَرَ، وأكثرَ إثارة.
ناقد وأكاديمي من الأردن
عن "القدس العربي"

 

za

إقرأ أيضاً

الأكثر زيارة

Developed by MONGID | Software House جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2026