سِحْرٌ على سِحْر- جودت فخر الدين
الغموضُ الذي يلف كتاب “ألف ليلة وليلة”، يلف أصلَه وتاريخَه ومؤلفَه (أو مؤلفيه) ومخطوطاتِه وطبعاتِه، لم يحُلْ دون تزايد الكلام على أثره الواسع، في مختلف الآداب واللغات . إنه أثرٌ كالسحْر .
“ألف ليلة وليلة” كتابٌ لم يتعرفْ إليه كاتبٌ أو أديبٌ، في أية لغةٍ من اللغات، إلا وأعربَ عن إعجابه به، وعن تأثّره بأسلوبه وأجوائه وحكاياته . وقد بلغ الأمرُ ببعضهم أنْ أخذوا عن هذا الكتاب على نحْوٍ مباشر، ولم يعملوا على إخفاء ذلك، بل تباهَوْا به .
كتابٌ لم يكتملْ . هناك بحثٌ دائمٌ في أصوله وفي اختلاف نُسَخِه، وتالياً في اختلاف ترجماته إلى اللغات الأجنبية كالإسبانية، والإنجليزية، والألمانية، والفرنسية، وغيرها . والجدل لم يتوقّفْ أصلاً حول صيغته الأولى، الهندية أو الفارسية أو العربية، كما أنه لم يتوقّفْ حول لغة السرْد فيه، وحول تأرجح هذه اللغة بين العربية الفصحى (لغة الأدب) وبين مستوياتٍ (عاميّة) للغاتٍ محكيّةٍ شعبيّةٍ مختلفة .
كتابٌ لم يكتملْ . لم تُعرفْ له صيغةٌ (تامّة)، ولم يُعرَفْ كيف صُنفَ وقُسمَ ووُزعَ على (لياليه) . إلا أنّ عدمَ اكتماله، والغموضَ الذي لفهُ، قد زاداهُ سِحْراً على سِحْر .
ما الذي جعل من “ألف ليلة وليلة” ذلك الكتاب الساحر، الذي لم ينجُ من تأثيره كل من وقع عليه، عوالِمُه الغريبة، أم أسلوبُه؟ ما الذي جعله ماثلاً في كُتُب الأدب الأجنبية، وفي كُتُب الأدب العربية، بل في ما يتعدّى هذه الأخيرة، ربّما في كُتُب التاريخ (مادامت الإشارات الأولى إلى كتاب ألف ليلة وليلة تعود، في ما يُقال، إلى المسعودي في كتابه مروج الذهب) .
من الجائز القول إنّه لا ينبغي الفصلُ بين عوالم الكتاب وأسلوبه، حيث يقومُ السحْرُ مقامَ المنطق، وتقومُ المخاطَرةُ والاقتحامُ مقامَ الانضباط والسياق المنظم، ويقومُ العبثُ والتسليةُ مقامَ الإرشاد والتمعن . ولكنْ وراء هذا كله يكمنُ الخوفُ من الموت والعملُ الدائبُ على تفاديه .
تذهبُ شهرزاد إلى أقاصي الحكايات، الحكايات التي لا تكف عن التناسل والتشعب، تذهبُ إلى تصوير أقصى المخاطر وأغربها، تُمعنُ شهرزاد في الكلام على الخطر، تفادياً لخطر الموت الذي هددَها به شهريار . إذاً، هذه هي خطّةُ شهرزاد، مواجهةُ الخطر بالخطر، أو بالأحرى مواجهتُهُ بالكلام عليه، ومن ثمّ الإسهاب في هذا الكلام إلى ما لانهاية، والحكايةُ التي تتّخذُ من الخطر أو المخاطَرة محوراً لها من شأنها - إذا ما تطوّرتْ على نحْوٍ قادرٍ على استيلاد المفاجآت دون كلَل - أنْ تكونَ مفْعَمةً بعناصر التشويق والجذْب، بل بعناصر الخطْف، خطْف القارئ، وقبلَه المستمع شهريار الذي مارستْ شهرزاد سِحْرَها عليه .
إذاً، في هذه المهمّة، مهمّة ابتكار الحكايات الغرائبية المفْعَمة بالمغامرات والعجائب، والتي ينبغي لها أنْ تتوالدَ من دون توقفٍ دفْعاً لخطر الموت، لا بد للأسلوب من أنْ تكونَ له الأولويةُ في هذا العمل (السرْدي)، الذي لا هدف له سوى تزجية الوقت بملئه، أي بجعله حافلاً بالأحداث . فالزمنُ الفارغُ أو الخاوي هو الخطرُ بعينه . والأسلوبُ هو الابتكارُ الذي تنبثقُ منه الحكايات . وأظن أنّ مبعثَ السحْر، أو لنقُلْ المبعث الأوّل للسحْر في ألف ليلة وليلة، يكمنُ في الأسلوب . وأرجحُ أنّ بعضَ الكتّاب الغربيين، ممّن تسنّى لهم التعرفُ بألف ليلة وليلة، ولو من بعيدٍ أو على نحْوٍ بسيط، قد وجدوا في أسلوبه طريقاً (سحْرياً) إلى الرواية، التي عرفتْ في مراحلَ متعاقبةٍ ما عرفتْهُ في الغرْب من تطورٍ وازدهار . وهنا أدعو القارئ إلى التأمل في أسلوب “دون كيشوت”، رائعة سرفانتس، التي يَعُدها الدارسون أوّلَ روايةٍ غربيةٍ بالمعنى الحقيقي .
إزاء “نوعية” الأسلوب في ألف ليلة وليلة، تتراجعُ بعضُ الظواهر التي قد تُسجلُ سلبياتٍ على الكتاب، مثل الركاكة أحياناً في بعض التراكيب، أو البذاءة أحياناً في بعض المفردات، أو المزج أحياناً بين الفصحى والعامية .
تلك النوعية في الأسلوب هي التي تجعل الحكاية هدفاً في ذاتها، تحقيقاً للمتعة وإثارةً للحماسة وتحفيزاً لأنواع الرغبات والمشاعر والمطامح، ولا بأس هنا في أنْ نتناسى الغرضَ الأساسي لشهرزاد، غرضَ التحايلِ على شهريار طلباً للنجاة . لا بأس في أنْ نتناسى ذاك الغرض، أو أنْ نَعُدهُ جزءاً من الحيلة الفنية، التي أفْضَتْ إلى حكاياتٍ ذات طاقاتٍ فريدةٍ على التسلية والتشويق، حكاياتٍ محفوفةٍ بالغرابة والسحْر من كل جانب .