الاحتلال يقتحم بلدة طمون جنوب طوباس ويعتقل شابين    الاحتلال يقتحم نابلس    الاحتلال يحتجز عشرات المواطنين في بيت أمر    بيت لحم: إصابة شاب برضوض عقب اعتداء مستعمرين عليه في أبو انجيم    ثلاثة شهداء وعدة مصابين في قصف لقوات الاحتلال على مدينة غزة    قوات الاحتلال تقتحم عنبتا وتداهم منازل وتحتجز مواطنين    مستعمرون يحرقون مركبة وجرارا زراعيا في رامين شرق طولكرم    إصابة طفل برصاص الاحتلال خلال اقتحام بلدة بني نعيم شرق الخليل    الخليل: مستعمرون يهاجمون مواطنين ورعاة ماشية في السموع والاحتلال يعتقل اثنين    تشييع شهيدين ارتقيا بقصف خيمة نازحين في غزة    مستعمرون يقتحمون الأقصى    الاحتلال يهدم منشآت قرب مدخل بلدة عرابة جنوب جنين    هدم مصنع وغرف زراعية وتجريف أراضٍ في بلدة بيت أولا غرب الخليل    أبو الحمص يدعو لتحرك دولي لحماية الأسير القائد مروان البرغوثي    الاحتلال يعزل سنجل شمال رام الله بإغلاق كافة مداخلها  

الاحتلال يعزل سنجل شمال رام الله بإغلاق كافة مداخلها

الآن

كم من الاوطان ايها المنفى!- احمد دحبور


يكاد هذا العنوان الا يكون لي، فما ان وضعته على الورق لانشئ فكرتي من وحيه، حتى قفز الى ذهني صديق العمر الشاعر نزيه ابو عفش، الذي تعارفنا منذ ان كنا لم نتجاوز العشرين من العمر، وها أنذا استحضر، وكل منا في السابعة والستين، قصيدته التي اسمعنيها مرارا قبل ان يضعها في كتاب عنوانه «كم من البلاد ايتها الحرية» وكثيرا ما كان يحدث هذا التوارد في الخواطر بيننا، نتيجة حواراتنا واشتباكاتنا عندما نكون معا، وحنين احدنا الى الآخر عندما نكون، كما نحن الآن، في مكانين متباعدين.
والواقع انني انا الذي كنت اسافر وابتعد، فمحنة الفلسطيني منذ النكبة الا يقر له قرار.. وفي هذا الطواف الطويل المستمر، اذكر البلاد العربية التي كنت اترحل اليها، وما تركته في روحي وذاكرتي وكأن كلا منها وطن لي في مرحلة من عمري.
وقد ابدأ بسورية، موطن اللجوء الاول، ومدينة حمص تحديدا، حيث ولدت صداقتي وبلغت حد التلازم مع نزيه، فكنا نختلف ونتفق في ظل هذا البلد العربي الذي وفر شعبه الطيب الجميل اقامة لي هي نوع من المواطنة، فكنت ولا ازال اقدم نفسي الى اصدقائي بصفتي الفلسطينية السورية، وستظل سورية تلازمني وتبث لهجتها الحمصية في كلامي اليومي حتى لحظة الوداع الكبير..
ومن سورية الى الأردن الذي لم يكن مجرد بلد شقيق، بل كان الحضن الوطني الذي استقبلني فيمن استقبل من الفلسطينيين في اطار المقاومة الفلسطينية، وعلى رفضنا المطلق المبدئي لفكرة الوطن البديل، كان الاردن بالنسبة الي وطنا مجازيا، حيث اعي انه ممر الى فلسطين وليس مقرا دائما لاهلها وان تعمقت المشاعر الانسانية الاخوية في هذا الافق النوعي، وهو ما اكدته الذكريات والمصاهرات والتواصل الاجتماعي، فضلا عن مواجهة الاحتلال، حيث كان يقصفنا العدو بالطائرات فيسقط الشهداء الاردنيون والفلسطينيون جنبا الى جنب، ويبقى الاحياء منهم ليواصلوا العهد ووحدة الدم.
وما يصدق على الاردن يتطابق مع ما تم في لبنان، فالمعاناة والعناد والعلاقة القومية الانسانية قد وحدت بيننا الى درجة الانصهار، حتى ليكاد يستحيل ان افصل ذكرياتي اللبنانية عن ذكريات اهلي عن حيفا، مع وضوح السؤال الوطني، فنحن فلسطينيون واهلنا اللبنانيون لبنانيون، وان كان حبل السرة بيننا خالدا لا ينقطع، بهذا المعنى كنت فلسطينيا لبنانيا، وفي نقي عظامي حكايات امي عن الايام الاولى لمرحلة اللجوء في حياتنا، فانتقالنا بعد ذلك الى سورية، لازور لبنان عندما يتاح لي ذلك في ضيافة عمتي او خالتي او عمي فيما بعد.. حتى اذا ارسلني عمري الى صفوف المقاومة، وجدت في هذا اللبنان موطئا حميما لا يتعارض مع الشعار الخالد: ممر لا مقر.. فبلاد الدنيا كلها هي كذلك، حتى يجتمع الماء الى الماء ويعود اللاجئون، ورحم الله السياب الذي سأل: اتراه يأزف قبل موتي ذلك اليوم السعيد؟ .. على اي حال ان لم يأزف يوم العودة فحسبي انني اعيش على امل الوصول اليه.
ثم كانت التغريبة التونسية، حيث وصلنا، ضمن ظروف المقاومة المعروفة، الى تلك الديار السعيدة الخضراء التي تؤنس، فوقعنا على علاقات انسانية فريدة من نوعها، حتى ليمكن القول ان الفلسطيني كان سابقا يغادر البلاد التي يحل فيها، بالدموع، بسبب من الاشكالات والاحتكاكات او سوء الفهم او اضطراب العلاقة مع الحكام، الا في تونس، فقد خرجنا بالدموع ايضا، ولكنها دموع الوفاء والامتنان والعرفان لهذا الشعب العربي النبيل، بعد ان تعددت المصاهرات بيننا، وتوثقت الصداقات حتى تحولت الى ذكريات تدخل في صلب الوعي والمحبة..
واذا كانت هذه الاوطان العربية تحضرني في هذه العجالة، فإن كثيرين غيري من ابناء النكبة الفلسطينية قد عايشوا هذه الاوطان وسواها، وكانت دائما وطنا واحدا عندما تنظر اليها بعين القلب وتحفظها في سريرة الوفاء.. ولقد كانت هذه البلاد وطنا واحدا لا حسب الاعتبارات القومية المتفق عليها وحسب، وانما على المستوى الاجرائي الذي لم تكن وحدة اللغة الا احدى اشاراته، بينما يضمر الواقع الملموس علامات ضالعة في الروح تؤكد تلك الوحدة.
من ذلك مثلا، انني قرأت قصائدي في مختلف البلاد العربية التي ذكرت، وفي غيرها كذلك، وفي كل مرة، كنت احدس بشكل استجابة الجمهور، فهذا المقطع يرافقه اصغاء، وذاك المقطع يتلوه تصفيق، وذلك المقطع قد يمر مرور الكرام، وخلال تفاوت ردود الفعل، كان يتم ما اتوقعه حتى لو كنت اقرأ في هذا البلد للمرة الاولى، فالجمهور العربي هو هو، واستجابته او عدم استجابته كما اتوقع، اذ انه جمهور واحد وان تباعدت الحدود..
واذا حفظنا في الطفولة بلاد العرب اوطاني، من الشام لبغدان، ومن نجد الى يمن الى مصر فتطوان، فإن هذا النشيد ظل لسان حالنا في هذه الاوطان بوصفها وطنا كبيرا، بل هي الوطن الكبير، وكان ما يرسلنا من هذه الاوطان اليها واقع المنفى الذي ابتلينا به منذ الخامس عشر من الشهر الخامس للعام ثمانية واربعين. وهكذا ظلت تتلقفنا الاوطان وتطردنا - حسب الحالة - وليست الاوطان المطردة الا علامة على غياب الوطن الاصلي، واحلال جرعة مستدامة من الكآبة مكانه. اسمها المنفى.. فكم من الاحلام والجراح والآمال ايها النشيد؟ وكم من الاوطان ايها المنفى؟.

 
 

za

إقرأ أيضاً

الأكثر زيارة

Developed by MONGID | Software House جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2026