مستعمرون ينصبون خياماً على أراضي المواطنين شرق سلفيت والاحتلال يجرف أرضاً قرب دير بلوط    شهيد ومصابون جرّاء قصف الاحتلال مجموعة من المواطنين شمال غزة    الشيخ يبحث مع وزير الخارجية المصري تطورات الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة    لجنة الانتخابات: الدعاية الانتخابية تبدأ في 10 نيسان وأي نشاط قبل ذلك مخالف للقانون    في اليوم الـ17 للحرب: ضربات متبادلة وتصاعد المخاوف من اتساع رقعة الصراع    عائلتان فلسطينيتان ترحلان من خربة سمرة بالأغوار الشمالية بسبب اعتداءات المستعمرين    المفتي يدعو إلى مراقبة هلال شهر شوال بعد غروب شمس الأربعاء    3 إصابات واعتقال مواطن خلال اقتحام الاحتلال نابلس    الشيخ يعزي بشهداء طمون    ثمانية شهداء في استهداف طائرات الاحتلال مركبة على شارع صلاح الدين وسط قطاع غزة    تعقيبا على مجزرة طمون: "فتح" تحذر من خطورة تصعيد الاحتلال ومستعمريه الدموي بحق أبناء شعبنا    جماهير شعبنا تشيع شهداء مجزرة طمون    استشهاد مواطن وزوجته وطفليهما برصاص الاحتلال في طمون    تمهيدا لتفجير منزل أسير: الاحتلال يجبر مواطنين على الإخلاء في دورا جنوب الخليل    استشهاد مواطنة برصاص الاحتلال في مخيم المغازي وسط قطاع غزة  

استشهاد مواطنة برصاص الاحتلال في مخيم المغازي وسط قطاع غزة

الآن

رجال في الماء- احمد دحبور


كان شهيدنا المبدع غسان كنفاني في السابعة والعشرين من عمره، في زهو مقتبل الشباب عندما انجز رائعته «رجال في الشمس» حول بضعة لاجئين ركبوا الصحراء في رحلة البحث عن مصدر عمل، وانتهوا صرعى في خزان شحن مغلق، ليطلق سائقهم ابو الخيزران صيحته المشهورة التي لا تزال تصك اسماع الفلسطينيين: لماذا لم تدقوا على جدران الخزان؟
 والآن، بعد خمسين عاما من صدور الرواية الكنفانية، تهتز المشاعر والقلوب على نبأ كارثة بحرية، اودت بفلسطينيين اثر غرق السفينة التي كانت تقلهم على شواطئ ايطاليا، وهكذا يلتحق رجال في الماء برجال في الشمس عبر تراجيديا العصر التي عنوانها: الفلسطينيون..
كان رجال الشمس ينشدون رزق العيال بعد النكبة التي اتت على ارضهم واملاكهم، اما رجال الماء هؤلاء فكانوا ينشدون النجاة من حرب اهلية مجنونة ليس لهم فيها ناقة ولا طاقة، كأن في اجسادنا - حسب الشاعر الراحل توفيق صايغ - مغناطيسا يجذب الموت ويدله علينا. اما المخرج العربي المصري الكبير توفيق صالح، فقد رأى ان هؤلاء الشهداء الصرعى، هم المخدوعون كما عبر عن ذلك في فيلمه السينمائي الشهير المأخوذ عن رواية الشهيد غسان. واذا كان المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، كما في الحديث الشريف، فإن صرعى الماء كانوا مؤمنين ولم يقصدوا الفرار الذي اودى بحياة اسلافهم من صرعى الصحراء، لكنه الموت المتربص بالفلسطيني على اليابسة وفي البحر، حتى لنردد ما قاله شاعرنا الكبير توفيق زياد: آه كم موت علينا هذه الايام ان نهرب منه..
على ان الشهداء الجدد، صرعى الماء، يردون على صيحة ابي الخيزران هذه المرة، بأنهم دقوا على جدران الخزان، ولم يسمعهم احد..
في المرة الاولى - حسب رواية غسان المكتوبة قبل نصف قرن - مات الفلسطينيون بلا ضجة عندما لم تكن الشخصية الوطنية الفلسطينية قد انطلقت بعد، وكان الفلسطينيون مجرد لاجئين يستحقون الشفقة، فكان من الطبيعي ان تنطلق صرخة الاحتجاج على الموت من غير ان يدقوا جدران الخزان.. اما هذه المرة، فتقع الكارثة الثانية، ويموتون بعد انا اقلقوا اسماع العالم بدقهم على جدران الخزان.. فقد انطلقت الثورة الفلسطينية منذ العام 1965، وقدمت آلاف الشهداء على مختلف الساحات، ومع ذلك ظل الصمم الرسمي هو الصدى المتاح للصوت الفلسطيني الطالع في البرية والممتد على صفحة البحر..
ليس هذا عتابا، وليس بكاء على الذات او اشفاقا على الوضع العام، بل هو اعتراف جسيم بحجم الهزيمة العربية الحضارية. فكم تعرقنا وتوترت اعصابنا حمية وحماسة ونحن اطفال، عندما قرأنا، على مقاعد الدراسة، قصة المرأة التي صاحت وامعتصماه، فما ان وصلت صيحتها الى المعتصم، حتى رمى اللقمة من فمه واستجاب: لبيك يا امة الله..
والآن، ونحن نستحضر هذه الواقعة التاريخية، نستحضر معها صرخة الشاعر عمر ابي ريشة:
رب «وامعتصماه» انطلقت
 ملء افواه الصبايا اليتم
 عانقت اسماعنا لكنها
 لم تعانق نخوة المعتصم
 وعندما نتذكر ان هذا الشعر قد مر عليه خمسة وستون عاما من غير ان يتغير شيء عميق في جوهر الامر، ندرك حجم الخذلان التاريخي والخيبة المستدامة..
لقد حاولنا، وخضنا حربين وثلاثا، وفجرنا ثورات على امتداد الخريطة العربية المثخنة، لكن الرجال ظلوا يحترقون في الشمس ويغرقون في الماء، حتى اذا اكتسبنا بعض التواضع بالكف عن «العنتريات التي ما قتلت ذبابة» رأينا ان التواضع لا يكفي، بل ان السؤال المصيري يتعلق بالخطوة التالية فهل نخطوها؟
 لا اريد التنكيل بالذات او التفجع باسم النقد الذاتي.. ولكن السؤال يظل مطروحا علينا: الى اين؟ وماذا نحن فاعلون؟ وهل من بصيص ضوء في آخر النفق؟
 وربما تبرز شكوى متضجرة من تكرار هذا الكلام، فهذا صحيح.. بل ان لغتنا باتت تقليدية لا لاننا مضربون عن التجديد، وانما لأن الواقع الساكن موضوعيا لا يزال حائلا دون اجتراح الجديد فمتى نغير ما بأنفسنا حتى يتغير ما حولنا؟
 وبعد.. الرحمة لشهدائنا القدامى والجدد، من الذين استشهدوا مع القسام في يعبد 1935 الى شهداء الماء في ايامنا، على امل ان نجد الطريقة الناجعة للوفاء لهم، ولهذي الارض التي تستحق ما وصفه اجدادنا بالنفس والنفيس. فقد انتهى زمن الموت الجزافي.. ولم يبق الا ان يبدأ التاريخ الآخر..

 
 

za

إقرأ أيضاً

الأكثر زيارة

Developed by MONGID | Software House جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2026