أنا الفنون- أنس أبوعون
كبرت ُ فجأة بك ِ ولم أنتبه لشعري وهو يتساقط على مهل، أو على رئتين تغطيهما رقعة سوداء بأنواعها العديدة، أو حتى لسجين داعب القضبان حتى أزال عنها الرهان، لم أنتبه لعمري كيف أصبحت كبيرا ً بك، من مراهق غبي لا يعرف الفرق بين الدولة و الوطن، إلى إنسان لاجئ شعر فجأة بحاجة لوطن، لا كل أطياف الاغتراب أعانته أو أعطته فرصة لشهيق آخر، لم يكن يعرف أي شيء عن الحياة سوى ما ألقاه الله من السماء، هذا كان كل شيء، لم يكن يعرف عن الحب سوى العجز، لم يكن يعرف سوى الخوف، من الله من الدنيا من الناس من الاحتلال، حين أوقفته الجيبات العسكرية عند بوابة مخيم شعفاط، لا يعرف أي شيء سوى الخوف.
طفلا ٌ أربكه كلام الناس من ناحية وآخره كثيرا ً عندما صار مراهقا ً فبنى نفسه بما يليق للأخرين حياتهم، وشاب يخشى على قلبه من أن يخدش مرة أخرى فلا مجال للشك في أعماق اليقين، جأتها بكل ِ ما كانت تحملني الأحلام الباهتة من تراويد نساء في كوبر أو لسيدة لم تبلغ من العلم سوى التاريخ، ولم نعرف عنها سوى صوتها الذي بنينا له شكلا ً وحكايا كثيرة، جأتها تحت معطف تأجرته من آخرين، حتى أرتب ما تبقى لي من آمل، الأمل هو ذاته الذي آفاق من تحت أساريرها الكثيرة ونظر طويلا ً في عيني.
كانت فرقة الفنون تعيش في المجهول القريب منك، لكنها شارع لم يلفت لك الانتباه يوما ً، وكثيرا ً وطويلة هي الطريق رغم قصرها الزمني التي جعلتني اليوم أحد موظفيها والعاملين بها، لم أشك يوما ً بقدرتها على إعادة صياغه العقل أو إرباك المعتقد الثابت وتحويل ما هو كائن لما هو مشكوك في أمر وجوده، وما يمكن أن يكون ملاكا ً هو في الحقيقة الشيطان نفسه لكنه يدافع عن الحق بين الحين و الآخر، هو الذي أطلق على نفسه ألقاب كثيرة من العظيم الأعظم لمن ترك الفأس لحطاب آخر وقال : أنا لا قدرة لي على قطع الحياة من الخشب، وصرتُ شابا ً بالأربعة وعشرين من عمري، وما زلت أؤمن بالخرافة، بالزمن القادم من الأمنيات، ما زلت أؤمن أن كلام الناس ضدي أو معي صادق، وأن تعليقا ً هنا أو هناك ليس إلا الحقيقة الكاملة لما يريده الناس لي أن أكون، حتى أصدقائي المقربين جدا ً اتخذوا موقعهم جيدا ً في تعزيز مفردات تحمل صفاتها العديدة التعيسة والتي لم أعرف إن كانت حقيقة أم أنها أفعال أصدقاء حقيقيين.
هو هذا الزمن حين عبرت ذلك الباب عام 2006، وقال لي انني لست ُ أفضل من يدخل ذاك الباب، لحسن حظي وقد يكون لحسن حظه أني خيبت أمله وأملي بالإعتياد، وأن الحياة لم تكن يوما ً حكما ً بل أن حماقتنا هي التي تفرض علينا أحاكما ً على الآخرين، على الحمقى و الطيبين، على الشهيد الذي قضى للتو في كفر مالك، أو للأسير الذي خرج بعد تسع سنوات وهو يسأل معنى الحرية، قال لي : أريد أن أعيد تعريف الحرية، ما هي، لم أقل شيء سوى الموت في داخلي، حين لم يكن أي شيء يقنعني بأنها موجودة أصلا ً سوى في رغبة الضحية.
هذه هي القضية، هذا المجتمع الذي كان حصاري فيه أجمل الحصارات، كبرتُ فيه ورأيت العالم منه، ورأيت الشمس من نوافذه، هذا القصر أو البيت، أو العائلة أو سميها ما تشاء فهي كل شيء.
فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية التي أعطتني وأخذت مني وعجنتني ومدت أقدامي وثبتت علي نجومي الهاربة من مدارها، المجنون فيها وغريب الأطوار، الدرامي الماهر والتعيس النكدي الدائم، المزعج، المرتبك المبالغ، الضعيف الشرير الذي يروض الأشياء، المريض نفسيا ً والواثق، القادر على الوصول إلى الأشياء العاجز، كلها صفات والكثير أمثالها لا قدرة لي الأن على حملها، كانت قد رافقت عمري في الفنون، الآن وهي تكبر بي عاما ً آخر، وأكبر بها عاما ً آخر، ومازلت هي كما هي، صديقتي التي أحبها، أمي التي كبرت بالسن قليلا ً وأستولى العمر على ذاكرتها، هي صديقي الذي تزوج ومضى، وهي عمري الذي مضى، هي عدوي الذي يشغل لي الوقت فيها من شدة غبائه صار أعز الأعداء، هي رفاقي الذين مضوا وأخذوا قلبي معهم معلقاٌ بعقد في أعناقهم، هي رفيق العمر الذي صار فجأة زميل عمل، فما كان منا سوى أن نرتدي أعنقه الزيف المجرد لنكون متأقلمين مع العمر، هي قدري الذي مضى وألتقيت به في نيويورك حين أتى من ولاية آخرى وتعشى ثم مضى مقطعه أطرافي مرة أخرى، هي أبي الذي يصر دائما ً أن الصراع مع إسرائيل هو صراع على الأرض، حتى مات في مساء ما وهو ملقى على الأرض، هي حالة اليأس و اليقظه و التمرد والجنون و العطف المؤقت، هي التناقض في داخلي وهي الثبات المثبت على دين الحب، يمكن أن أظل هنا حتى الصباح أطلق عليها الصفات العديدة، سمها ما تشاء فهي كل شيء.
هكذا يمضي العمر، حين تكتشف فجأة أنك كبرت، وصرت شابا ً مستقلا ً مثلما كنت تنظر لأخوتك الكبار وأنت تطلب منهم مصروفا ً آخر للمدرسة، هكذا تنظر لصورك وتسأل نفسك : بماذا كنتُ أفكر حين ألتقطت تلك الصورة، مضيت ُ عمري أنتظرُ قفزة العمر، وحين صرت ُ في عمرٍ ما، نظرت خلفي فلم أجد شيء سوى التهاب في الركبة من شدةِ النزول على الأرض وعجز من جديد في الحركة، هو العمر هكذا لا قفزة فيه إنما يمضي، بك وبها وبكلاكما معا ً.
تدخل الفنون الآن عامها الخامس والثلاثين وأنا أدخل عامي الخامس والعشرين، ولم أجد سببا ً واحدا لكتابه كل هذا سوى التعب، فكيف لحلم أن يعيش كل هذا العمر، دون رغبه شديدة بالموت بعض الأحيان، لا أقول أنها أجمل امرأة عشت معها، ولا أقول أنها أفضل الأشياء الموجدة لكنها هكذا، وأقبل بها هكذا.