فتوح: بدء التحضيرات لاستكمال انتخاب أعضاء المجلس الوطني في دول الشتات    الاحتلال يمنع مزارعين من حصاد أراضيهم في سالم شرق نابلس    محافظ الخليل: أعمال لجنة الإعمار والترميم في البلدة القديمة تعزز صمود المواطنين وتحسن ظروفهم    دائرة شؤون القدس: الاحتلال يوظف الهدم لإعادة هندسة الواقع الديمغرافي في القدس    الرئيس يتسلّم التقرير السنوي للنيابة العامة لعام 2025    73,035 شهيدا و173,368 مصابا في قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول 2023    في ثاني استهداف لمركبة خلال ساعتين: استشهاد مسعف وإصابة آخرين في قصف الاحتلال مركبة غرب خان يونس    بعد هدم منزل وبناية سكنية: إصابة برصاص الاحتلال في كفر عقب شمال القدس    الاحتلال يقتحم أرض بطريركية الروم الأرثوذكس في سلوان    باكو: وفد من المجلس الوطني يشارك في مؤتمر اتحاد مجالس الدول الأعضاء بمنظمة التعاون الإسلامي    استشهاد فتاة وإصابة آخرين في قصف الاحتلال وسط مدينة غزة    محافظة القدس: دعوى استعمارية بمليون ونصف شيقل ضد عائلة الرجبي في بلدة سلوان بمدينة القدس    الاحتلال يصعد عدوانه في الضفة وغزة: 3 شهداء بينهم طالبة وهدم منازل في القدس وبيت لحم    الدولار على استقرار مع انتهاء الجولة الأولى من المحادثات الأميركية- الإيرانية    قطر تعلن عن 18 مفقودا و54 مصابا جراء الانفجار برأس لفان  

قطر تعلن عن 18 مفقودا و54 مصابا جراء الانفجار برأس لفان

الآن

فيديو- التناويح الفلسطينية، الرثاء الجميل- رشا حلوة

كانت أول جنازة أحضرها لجدي “أبو تامر”، مواليد قرية إقرث. عندها سمعت التناويح لأول مرة، بصوت جدتي سلمى. لم تحترف جدتي يوماً غناء التناويح، لكنها بعد وفاة أخيها الأصغر وهو في الثامن عشر من عمره بسبب مرض السرطان، استولى الحزن على حياتها. صارت في جنازات الأقارب، تغنّي على الأقل مرة واحدة كمشاركة منها في الحزن.

التناويح، هو الإسم المعطى لأغاني الرثاء الشعبي في بلاد الشام. الكلمة مشتقة من "نوح" (ناح ينوح نوحاً ونُواحاً ونياحاً ونياحةً ومناحات)، فيقال ناحت المرأة الميتَ وعلى الميت، أي بكت عليه بصياح وعويل وجزع. لطالما كان لوداع الميت على مرّ التاريخ، طقوس متنوعة بحسب الحضارات، من أهم عناصرها رثاءه بالكلمة واللحن. تمسك القدماء باللحن والكلمات كوسيلة تُسهّل التعبير عن الحزن والغضب والفقدان.

في فلسطين، تشكل التناويح جزءاً من الموروث الشعبي الثقافي والموسيقي. هي مرتبطة في مضمونها وقصصها مع المراحل التاريخية للشعب الفلسطيني، تُسرد من خلال قصائد مغناة بألحان على مقامي صِبا وبيات الموسيقيين. بالإضافة إلى عنصر الموت والفراق، نجد في القصص التي ترويها كلمات التناويح القديمة مشاهد العودة من المعركة، مشاهد من النكبة والتهجير، ومشاهد يحضر فيها الشهيد بقوة.

تنقسم ثيمات التناويح الفلسطينية بشكل أو بآخر إلى قسمين؛ الأول يعتمد على وصف صورة أو مشهد أو قصة، مثل تنويحة "طلّت البارودي" التي تبدأ بـ:"طلّت البارودي والسّبع ما طلّ/ يا بوز البارودي من دمه مبتل". تصف  هذه التنويحة المشهد الذي يظهر فيه سلاح المقاتل على الخيل (الحمرا) من دون صاحبه، بإشارةٍ إلى أن المقاتل المنتظر قد مات.

أما القسم الثاني، فهو عبارة عن نصوص شعرية تُحكى على لسان أحد أفراد عائلة وأقارب الفقيد، موجهة له وترتبط بعلاقة هذا الفرد معه. ثمة كذلك نصوص تلقى وكأنها تُقال على لسان الميت نفسه. هذه التناويح ليست مرتبطة بفترة زمنية أو بمرحلة تاريخية معينة، بل تعكس مشاعر وجودية عميقة الحزن، منها على سبيل المثال: "عتابا عتبنا وأنا شبيب/ يا جرحي حيرت الحكام وأنا شبيب/ يا ربي ما خلقت علة بلا دوا إلا علة الفراق".  أو "فصلولك يا يابا ثوبن ع طولك/ وإنت الشمع والبخور يلبق على طولك/ تمنيت يابا طول العمر الضنا ما يطولك/ وتمنيت عشرتك ع طول المدى". مع تنوّعها، تحدّد أي التناويح تغنّى في الجنازات بناءً على جنس الميت وجيله وحالته الاجتماعية

النساء والتناويح في طقوس الجنازات
قد تُكتب التنويحة باللهجة العامية على يد رجال ونساء، لكنها تُغنى فقط بأصوات النساء خلال طقوس الجنازة وأثناء إحضار الميت بالتابوت لتوديعه. خلال فترة الوداع هذه، وانتقال الميت من فوق الأرض إلى تحتها، تحضر امرأة أو أكثر يتبادلن الأدوار في الغناء، بينما تقوم باقي النساء في الجنازة بالرد من ورائهن. جرت العادة أن تُستخدم في الطلب جملة: "تعالي قولي على فلان".

“أم جريس” امرأة في الخمسين من عمرها التقيتها في جنازة عمي الأكبر. تأثرت بكمية التناويح التي تحفظها، وبصوتها المتسم بالحزن. عرفت فيما بعد بأن حزنها الخاص المضاف على حزن التناويح، نتاج مأساة شخصية. فقدت أم جريس زوجها منذ سنوات عدّة وربّت أولادها الثلاث وابنتها لوحدها. كانت قد حفظت التناويح من والدتها منذ أن كانت في السادسة من عمرها. لكنها لم تحترف هذا النوع من الغناء إلا حين مات والدها وقامت بغناء التناويح عليه بناءً على وصيته، إذ سألها مرة: "شو بدك تقولي عليّ يا يابا لما أموت؟".

تتمتع أم جريس بصوت جميل وحنون ذو طبقة حزينة. في الجنازات، تحمل مجموعة من الأوراق كتبت عليها التناويح كي لا تنسى شيئاً. لكلّ حالة أغاني رثاء خاصة بها. تغنّي أم جريس التناويح القديمة التي حفظتها من والدتها ومن نساء أخريات، لكن ما يميزها، هي قدرتها على تبديل بعض كلمات التناويح القديمة، بحيث تلائم واقع اليوم نوعاً ما، مع الحفاظ التام على اللحن. بالإضافة إلى قدرتها على تحويل أغانٍ ومواويل لفيروز ووديع الصافي وسميرة توفيق وفهد بلان وغيرهم إلى تناويح، متأثرة تماماً بالألحان العراقية، تقتبس أم جريس نصوصاً تلائم البكائيات من "الكتاب المقدس"، وتقوم بتلحينها حسب اللحن البيزنطي السادس.

تؤمن بأنّ غناء التناويح في الجنازات تعبير عن رسالة محبة ومشاركة بالعزاء، وأنّ إبكاء النساء هو أمر مهم وضروري، وتعتبر أن الذين يطلبون التناويح في الجنازات اليوم كثر، وتراثه ما يزال حيّاً، غير أنّ عدد النساء اللواتي يقمن بهذه المهمة بات صغيراً جداً اليوم.

في الحقيقة، بدأت التناويح بالاختفاء تدريجياً من طقوس الجنازات في فلسطين منذ سنواتٍ ليست بقليلة، وذلك لأسباب عديدة منها قلة النساء اللواتي يجدن غناءها. ولكن العنصر الأبرز لهذا التغيير يعود إلى أن طقوس الجنازات أصبحت تأخذ طابعاً أكثر تديناً، فحلّت مكان التناويح تلاوة القرآن أو الترانيم الكنسية. تحتوي نصوص التناويح على العديد من الأسئلة الموجهة إلى الله أو إلى المجهول، ما يجعلها تُصنف اليوم على أنها "نصوص كافرة"، مثل جملة "كنو من العبد مجازاته على الله". مع ذلك، لا زالت بعض العائلات تدعو النساء اللواتي يغنين التناويح لحضور الجنازات، لما تملكه من قدرة على التعبير عن الحزن وعلى الإبكاء.

الصور المرفقة

za

إقرأ أيضاً

الأكثر زيارة

Developed by MONGID | Software House جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2026