فتوح: بدء التحضيرات لاستكمال انتخاب أعضاء المجلس الوطني في دول الشتات    الاحتلال يمنع مزارعين من حصاد أراضيهم في سالم شرق نابلس    محافظ الخليل: أعمال لجنة الإعمار والترميم في البلدة القديمة تعزز صمود المواطنين وتحسن ظروفهم    دائرة شؤون القدس: الاحتلال يوظف الهدم لإعادة هندسة الواقع الديمغرافي في القدس    الرئيس يتسلّم التقرير السنوي للنيابة العامة لعام 2025    73,035 شهيدا و173,368 مصابا في قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول 2023    في ثاني استهداف لمركبة خلال ساعتين: استشهاد مسعف وإصابة آخرين في قصف الاحتلال مركبة غرب خان يونس    بعد هدم منزل وبناية سكنية: إصابة برصاص الاحتلال في كفر عقب شمال القدس    الاحتلال يقتحم أرض بطريركية الروم الأرثوذكس في سلوان    باكو: وفد من المجلس الوطني يشارك في مؤتمر اتحاد مجالس الدول الأعضاء بمنظمة التعاون الإسلامي    استشهاد فتاة وإصابة آخرين في قصف الاحتلال وسط مدينة غزة    محافظة القدس: دعوى استعمارية بمليون ونصف شيقل ضد عائلة الرجبي في بلدة سلوان بمدينة القدس    الاحتلال يصعد عدوانه في الضفة وغزة: 3 شهداء بينهم طالبة وهدم منازل في القدس وبيت لحم    الدولار على استقرار مع انتهاء الجولة الأولى من المحادثات الأميركية- الإيرانية    قطر تعلن عن 18 مفقودا و54 مصابا جراء الانفجار برأس لفان  

قطر تعلن عن 18 مفقودا و54 مصابا جراء الانفجار برأس لفان

الآن

إدوارد سعيد: قراءة من مدخل الكرامة في جدلية المثقف والسلطة- أحمد عز الدين أسعد

يمثل إدوارد سعيد أحد أهم وأكبر المنظرين الكونيين، لما قدمه للمجتمعات البشرية من إثراء معرفي وفكري وفلسفي، تجاوز حدود التخصص الأكاديمي المدرسي الضيق، ليفيض إنتاجه المعرفي بين حقول معرفية عدة: كالتاريخ والدراسات الثقافية والنقد المقارن والانثربولوجيا الثقافية وعلم الاجتماع، وبالتالي فهو متورط في علم السياسة بالضرورة من وجه نظر جان جينيه أحد عظماء فرنسا فكراً وأدباً حيث يقول جينيه "في اللحظة التي تنشر فيها مقالات في مجتمع تكون قد دخلت الحياة السياسية فيه، وإذا كنت لا تريد أن تكون سياسياً لا تكتب مقالات أو تعبر عن رأيك بحرية." 

ما نستكشفه من قول جينيه السابق هو نفي إدعاء الكتابة الا مسيسة أو غير المؤدلجة فكل الكتابات لها مشروعها السياسي والثقافي والفكري والاجتماعي، فبعض الكتابات تعبر عن مشروعاتها بمشروعيات جمالية وأفكار رهيفة، وبعضها الآخر يغرق في الشوفينيات والكتابات المعاقة والثقافات التكفيرية: فسياسات الثقافة المبتورة تنتج سياسات سياسة مبتورة؛ لكن إدوارد سعيد يخالف شبه المسلمات هذه فقد عبر عن مشروعه الثقافي والفكري بجماليات أخلاقية وإنسانية نثرها سعيد في نصوصه التي تنتصب قاماتها عالياً في معاهد الفكر ودروس العلوم الإنسانية والاجتماعية، في الوقت الذي لم ينجحْ في التعبير عن مشروعه السياسي أو تقديم مقاربة أقل جمالية من مشروعه الثقافي في مشروعه السياسي، حيث تورط في نقد سياسات منظمة التحرير الفلسطينية وشخصن موضوع النقد في شخص الرئيس الراحل ياسر عرفات، وقدم مناورات خطابية بائسة في النقد السياسي للحقل السياسي الفلسطيني وفاعليه. وكان حرياً بسعيد أن يبقي مشروعه السياسي في كنف مشروعه الثقافي الذي يتمثل كمشروع سياسي تحرري جميعي كوني، لكن عندما كتب سعيد في السياسة بلغة السياسة وقع في دهاليز السياسة ومأزقها الذي كان بمقدوره تجاوزها من خلال تقديم مقاربات سياسية غير تلك التي قدمها. ونستكشف عند جينه أيضاً المهمة الأساسية للمثقف وهي الاشتباك؛ فدخول عالم الكتابة معناه التعبير عن أفكار ومقاربات وتصورات تشتبك في الفضاء العام مع كتابات آخرى وهنا يحدث السجال أو الانسجام وبجدلية هيغيلية تتطور الحياة السياسية، ويعلو في المجتمع الصوت السياسي المبطن في كل الأصوات المجتمعية: (الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والجمالي).
تمثل المساحة الكتابية السابقة شبه مقدمة عابرة للأفكار التي تحاول الإلمام ببعض الأفكار لولوج فكرة هذا المقال. ما معنى أن نتحدث عن الكرامة في جدل المثقف والسطة عن إدوارد سعيد؟ خصوصا في هذا التوقيت، وما معنى الكرامة؟ وما هي جدلية المثقف والسلطة؟، قبل الإجابة عن هذه الاسئلة في هذا المقال بمقدورنا اشتقاق الالاف الاسئلة السياسية والفكرية والثقافية وغيرها عند الحديث عن إدوارد سعيد، أو مفهوم الكرامة، أو موضوع المثقف والسلطة، لكن قدر الامكان تحاول هذه المقالة الإلمام بمقولة محايثة لموضوع المثقف والسلطة والكرامة عند سعيد.
يمثل الخوض في مفهوم الكرامة محاولة شاقة لدراسة تاريخ البشرية والمجتمعات والديانات والفلسفات، كون الكرامة مفهوم كوني له تمثلات متعددة ومختلفة من مجتمع إلى آخر وثقافة إلى آخرى، فالكرامة في هذه اللحظات فلسطينياً (ماء+ ملح= كرامة) هذا التعبير عن الكرامة شعار الحركة الفلسطينية الأسيرة التي تدافع عن حقها بالحرية والحرية هي وجه من وجوه الكرامة. يمكن القول إن الكرامة تمثل أحترام المرء ذاته، وهو شعور بالشرف والقيمة الشخصية هذا على المستوى اللغوي والإصطلاحي، أما على المستوى الاجرائي لهذه المقال فالكرامة هي الدفاع عن القيم الإنسانية وإعلاء صوت النقد. والكرامة يعبر عنها في كل مجتمع وثقافة بشكل معين لكن للكرامة قواسم مشتركة وفضاء عام تشترك فيه فالكرامة الفلسطينة والكرامة الكوبية والكرامة اليابانية والكرامة الجنوب إفريقية لها خصال مشتركة على اختلاف المجتمعات والثقافات واللغات والنضالات. والكرامة حاضرة في الثقافة العربية ما قبل الإسلام فالشاعر عنترة العبسي أنشد شعراً يتضمن صور الكرامة بقوله "لا تسقنِ ماء الحياة بذلٍ/ بل اسقنِ بالعز كأس الحنضلِ،" وجاء الإسلام كدين كوني ربط مفهوم الكرامة بالتقوى بقوله تعالى "إن أكرمكم عند الله أتقاكم." أن المجتمعات والبشر بحاجة إلى مثل عليا تصبو للوصول إليها وهذا ما بينه عالم النفس مازلو بهرم الاحتياجات الحياتية، ووضع في قاعدته الحاجات الأساسية (الطعام والسكن واللباس) وفي قمة الهرم وضع (تحقيق الذات).
تجدر الإشارة هنا قبل اقحام جدلية المثقف والسلطة إلى ذكر الدورس التي دشنها سعيد في كتاباته المتعددة، وهي دورس مهمة في السياقات الاكاديمية وغير الاكاديمية، وهنا استحضار لمقولة جان جنيه التي ترى في الكتابة خروج عن نسق الكتابة للذات وإنما هي للعموم، أول هذه الدروس السعيدية هو درس المسافة النقدية، ودرس التريث إزاء الحمسات الشوفينية والعواطف الوطنية والقومية، ودرس التيقظ إزاء السقوط السهل في تمجيد السلطة، وأخر هذه الدروس درس الصرامة النقدية والحسم مع كل الخطابات ذات الأصول القائمة والمسكونة بالسياسي. 
كتب سعيد كمثقف عن المثقف كتابه صور المثقف الذي قدمه كبرنامج تلفزوني على حلقات في محطة BBC ثم أصدره ككتاب، اتكئ فيه على أفكار المفكر الماركسي أنطونيو غرامشي خصوصاً كتابه كرسات السجن وعلى كتاب خيانة المثقفين لجوليان بندا. وقدم سعيد مقاربة ممتازة في حقل المثقف والسلطة، وحدد سعيد مهمة المثقف في "قول الحق في وجه السلطة" من خلال تحطيم الأراء المقولبة والمقولات التصغيرية التي تحد من الفكر الإنساني والاتصال الفكري. بينما يرى علي أحمد سعيد أدونيس أن المثقف من تجاوز اختصاصه حدود مصلحته الخاصة ومن يلتزم بالإرتقاء بالمجتمع والحياة من خلال المشاركة في العمل والتوجيه الفكري والسياسي. أما عبد الإله بلقزيز فيرى مهمة المثقف في الدور الاجتماعي والسياسي، والتحرر الذاتي، والنقد المزدوج، وصياغة المشروع النهضوي العربي. ويقترب تصور محمد عابد الجابري لمهمة المثقف من تصور بلقزيز حيث رأى الجابري مهمة المثقف العربي إعادة التفكير في المشروع النهضوي العربي في ضوء الواقع وتحت سلاح النقد. كذلك أوضح فيصل درّاج مهمة المثقف بنقد الواقع من أجل تغييره، واقتراح البدائل والوسائل السياسية التي تؤمن للمجتمع الخلاص والتحرر، وأضاف إلى ما سبق ما أسماه درّاج الوظيفة الاجتماعية للمثقف والتي حددها بالتربية والديمقراطية والفضول المعرفي. أما محمد الشيخ فقد بين مهمة المثقف بتحديد جينولوجيا الشر وتقرير أخلاقيات المقاومة. وعودة إلى ما سبق يتبين أن هناك تشابه بين عدد من المفكرين والباحثين والمنظرين للوظيفة المثقف ودوره، وهذا ما يجعل سؤال المثقف حياً في المجتمعات كونه سؤال يجمع بين السياسي والثقافي في آن، ويحرر الثقافي من سطوة السياسي ويعيد ترميم السياسي بالمعول الثقافي.
بعد محايثة مفهوم الكرامة والعروج إلى جدلية المثقف والسلطة يتبن أن للكرامة حيزاً عند سعيد الذي قاربها من جوانب متعددة مثل: الأمانة لمعايير الحق، استقلالية المثقف وعدم عبادة الألهة، التحرر النسبي للمثقف، المثقفون لهم قيمة اجتماعية فهم أباء الحركات وامهاتها، المثقف حامل للرسالة اجتماعية، المراهنة على الحس النقدي والحس الاخلاقي بالعدالة، التحرر من الاثقال الايدولوجية، وقعطع العلاقات المزيفة مع الواقع السياسي والاجتماعي، محاربة الهيمنة والسيطرة والتحكم والعزل والإبعاد والتقزيم، الثقافة وسيلة للمقاومة، رفض الحضور الصوري للمثقف، مقاسمة المجتمع همومه وهواجسه، نصرة الحرية والمعرفة الإنسانية، التحرر من سمة الولاء الأعمى. لقد عمل سعيد على إرساء قيم متعددة للبشرية كانت الكرامة أحدهما كما دشن مقاربة مهمة في حقل المثقف والسلطة وهي: عدم اختزال المثقف في صورة محددة كالمهنة أو الدفاع عن طبقة اجتماعية، ورفع سعيد من قيمة المثقف الهاوي ونقد المثقف المحترف، كما اوضح أن المثقف حامل لرسالة اجتماعية ومهمته طرح الاسئلة المركبة والمربكة، ودعا إلى الالتزام بحرية الرأي والتعبير والتخلي عنها هو خيانة لرسالة المثقف، وحدد أصعب مهمات المثقف بأن يكون نقدياً. ونستذكر كرم الكرامة عند سعيد كونه مثقف كوني موسوعي رفد المجتمعات بالفكر والنقد اللذان ما زالت أصداءهما مدوية.
- كاتب وباحث من فلسطين 

za

إقرأ أيضاً

الأكثر زيارة

Developed by MONGID | Software House جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2026