حوش العطعوط.. حكاية متتالية مع ثورات فلسطين... أبو عمار هندس من داخله رحلة الثورة
بشار دراغمة- جدران ما زالت تظهر فيها آثار رصاص المحتل، وبيوت اتكأت بعض حجارتها فوق بعضها، بفعل عامل الاحتلال تارة والزمن تارة أخرى، وكلها تروي حكاية فلسطينية مع الثورات بدأها من هناك الراحل ياسر عرفات وتواصلت فيما بعد عبر انتفاضات متتالية.
في حوش العطعوط داخل أزقة البلدة القديمة في مدينة نابلس، طفل يقرأ الفاتحة على روح الشهيد أبو عمار في ذكرى استشهاده، ربما لا يدرك ذلك الطفل الذي لم تتجاوز أعوامه العشرة ما دار في حوش العطعوط من أحداث، لكنه يسمع من أهالي الحي أن ياسر عرفات أعاد ترتيب أوراق الثورة الفلسطينية من ذلك الحي بعد الهزيمة التي لحقت بالعرب عام 1967.
يفتخر أهالي حوش العطعوط بأن بداية الترتيب للثورة الفلسطينية كانت من داخل حيهم، فإلى ذلك المكان وصل رجل عرف عن نفسه بأنه أبو محمد، وبدأ يجمع حوله الرجال ويخطط لثورة فلسطينية ضد المحتل، بعد أن فشل خيار الرهان على الدول العربية في ذلك الحين.
لم يكن أهالي حوش العطعوط يدركون حينها أن أبو محمد هو ذاته أبو عمار، واستطاع أن يكسب قلوب الجميع دون أن يكشف هويته الحقيقية.
وروى العميد المتقاعد عبد الاله الأتيرة تفاصيل حياة أبو عمار في حوش العطعوط، وكيف كانت بداية الثورة الفلسطيينة بعد هزيمة 67، مشيرا الى ان قدوم أبو عمار إلى الحي كان بمثابة الترتيب الأساسي لأوراق الثورة الفلسطينية.
الأتيرة كان عمره حينها 18 عاما وانضم إلى أبو عمار حيث كانت عائلته تمتلك بيتا في الحوش، موضحا أن انطلاقة الخلايا العسكرية كانت من الحوش وبعدها وصلت إلى بقية المدن.
ووصل أبو عمار قادما من منطقة نهر الأردن إلى حوش العطعوط مشيا على الأقدام وكان يحمل على ظهره نحو 20 كيلو غرامًا من العتاد العسكري وفقا لما رواه الأتيرة الذي يؤكد أن أبا عمار لم يصل وحده إلى نابلس إنما كان برفقته 4 رجال، وبعد أن بدأ ترتيب الأمور أصبح العدد ثمانية، وخلال فترة وجيزة جدا أصبح المئات حول ياسر عرفات وأحبوه وأخلصوا له.
عرفات كان متواضعا للغاية، لا يهمه الطعام ولا الشراب وفقا لروايات المحيطين به، كل همه بناء ثورة فلسطينية، وضمان امتدادها لكل أنحاء فلسطين ومقارعة المحتل على كل الجبهات، وبعدما تيقن من تحقيق الهدف كان من الضروري مغادرته فلسطين حيث أمضى 48 يوما متنقلا بين المدن قضى منها اسبوعين في حوش العطعوط، وصدرت أوامر من قيادة "العاصفة" بضرورة مغادرته إلى خارج الوطن لوجود مهام أخرى عليه القيام بها.
في حوش العطعوط ما زال المكان على حاله، الناس كلها تتحدث عن أبو عمار، الحي كان وفيا حيث سطر قصصا من البطولة على مدار الانتفاضتين الأولى والثانية، وعلى أرضه سقط الشهداء، ومن داخل أزقته لم تتوقف يوما مقاومة المحتل، كل ذلك يعتبره أهالي الحي مصدر فخر لهم، جازمين بأن الدمار الذي تعرض له الحوش خلال الانتفاضة الثانية كان انتقاما مباشرا من قبل الاحتلال من الحي الذي احتضن أبو عمار ومنه كان الترتيب الفعلي للثورة الفلسطينية.
أبو عمار لم تنسه السنين حوش العطعوط، وبمجرد دخول السلطة الوطنية إلى نابلس سارع إلى زيارته وتفقد جدرانه، وبمجرد الدخول إلى الأزقة ذرفت عيناه الدموع وكأن شريط الذكريات بدأ يمر من أمام عينه على الفور.
وأعادت بلدية نابلس ترميم الحوش الذي يضم أكثر من 25 منزلا ليبقى صامدا رغم الهزات الكبيرة التي تعرض لها بفعل الاحتلال وأطنان المتفجرات والقنابل التي سقطت عليه خلال الانتفاضة الثانية.