مستعمرون ينصبون خياماً على أراضي المواطنين شرق سلفيت والاحتلال يجرف أرضاً قرب دير بلوط    شهيد ومصابون جرّاء قصف الاحتلال مجموعة من المواطنين شمال غزة    الشيخ يبحث مع وزير الخارجية المصري تطورات الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة    لجنة الانتخابات: الدعاية الانتخابية تبدأ في 10 نيسان وأي نشاط قبل ذلك مخالف للقانون    في اليوم الـ17 للحرب: ضربات متبادلة وتصاعد المخاوف من اتساع رقعة الصراع    عائلتان فلسطينيتان ترحلان من خربة سمرة بالأغوار الشمالية بسبب اعتداءات المستعمرين    المفتي يدعو إلى مراقبة هلال شهر شوال بعد غروب شمس الأربعاء    3 إصابات واعتقال مواطن خلال اقتحام الاحتلال نابلس    الشيخ يعزي بشهداء طمون    ثمانية شهداء في استهداف طائرات الاحتلال مركبة على شارع صلاح الدين وسط قطاع غزة    تعقيبا على مجزرة طمون: "فتح" تحذر من خطورة تصعيد الاحتلال ومستعمريه الدموي بحق أبناء شعبنا    جماهير شعبنا تشيع شهداء مجزرة طمون    استشهاد مواطن وزوجته وطفليهما برصاص الاحتلال في طمون    تمهيدا لتفجير منزل أسير: الاحتلال يجبر مواطنين على الإخلاء في دورا جنوب الخليل    استشهاد مواطنة برصاص الاحتلال في مخيم المغازي وسط قطاع غزة  

استشهاد مواطنة برصاص الاحتلال في مخيم المغازي وسط قطاع غزة

الآن

انتهاك - علي شكشك


لم أتعود أن يودعني أو أن يستقبلني أحد، أسافر كلّما كُتِبَ علي ذلك ليس من مكان إلى مكان ربما لأن الجغرافيا هاجسنا ومنفانا وفي خضمّها نخشى أن نفقدها فنتشبثُ بها ونعضُّ عليها .. في حين لا تختلف التضاريس عن تضاريس الكيمياء العاطفية التي حين تلتصق بها تهجرك فتلفظك العواصم كلما آخيتها وتتحول الهوية على حد تعبير درويش إلى حقيبة وحملٍ ثقيل مثل ميلادك، فأين تذهب ولماذا من مكان إلى مكان إذا كانت الأمكنة كلها لا تبادلك التحية وتشترك جميعها في النهايات إلا إذا كانت ضرورة كضرورة تغيير النزل الذي سئم موظفوه رؤيتَك فيه، فانسحبتَ استجابةً لإيماءة خفيةٍ من استدارة الكتف، لذا كان انتقالي دوما من مرحلة إلى مرحلة، كان سَفَراً بين المراحل .. كلُّ سَفَرٍ كان سِفْراً جديداً، كأنك تولدُ ثانيةً في حياةٍ أخرى ليست بالضرورة أجمل ولا أسوأ، لكنها في كل الأحوال كانت على الأرجح بدءاً آخر .. بدءاً ما، كأنني عشت حيواتٍ كثيرة وعايشت أجيالاً .. كنت أعيشها بكامل اكتمالها وبكامل نقصانها، تماماً كما أتقمص الأمكنة، لذا لم يكن أحدٌ في الغالب يودّعني ولم يكن أحدٌ ينتظرني في الحياة الجديدة، كانت وداعات يتيمة كما كانت ولادات يتيمة، هذه المرة كانوا جميعاً في انتظاري، تفحصتهم بغرابة وفضول وتوجّس وتأمّل، خفت من اللحظة، كانوا ينتظرون كلَّ هذا الوقت، بصمتٍ ووجوم، كأنهم فقدوا معانيَهم في سفر الغياب، لم يتحرك أحدٌ منهم ولم يبتسم ل "إطلالتي" .. كانوا ربما ينظرون أن أبدأ أنا، وهكذا فعلت .. وكلي خشية من ردّة فعل أيهم .. إذا لامسته، كنت أخشى بغموض خفيفٍ حبيب مخيف يشبه غموض مشاعري من يوم مولدي الذي كان أيضا بانتظاري وقد تعوّدتُ أن أنساه ربما كآلية نفسية غامضة أيضاً تستجيب للخوف ذاته .. لم أحتفِ به مرة .. ولا نصف مرّة .. كان يحاصرني اقترابه .. ولا اتوازن إلا بعدما يمرّ، أليس هو القوس الأول .. وفي ضميري أنه ليس حدثاً .. إذ بعده تبدأ الأحداث .. كان ومازال يفجر عندي كل الأسئلة التي أخشاها في فرصة الحياة .. وقد امتلأتُ دوما بالرعب من فرصة الوجود، فكيف لي وحقيبتي تثقل كاهلي أن أتحمل ثقلاً آخر .. أحببت دوما شهر تشرين والخريف وأحسّ بزهوٍ خفيف غير مبرر أنني ولدتُ فيه، وأحببت أغنية فيروز عنه وعشقت شحنة الحزن العميقة فيها .. هكذا أراها حزينة .. وأراه شهراً جدلياً أو يجسد جدل الوجود بالمعنى الديالكتيكي المعرفي فكما هو للموت فهو للتبرعم وورقه الأصفر شهيد بكل معاني الشهادة، وضعت حقيبتي وأغلقت الباب، وبتوجّسٍ أشعلت الضوء، كنت أخشى بغموضٍ مبرر أن يكونوا قد قطعوا الكهرباء في غيابي رغم أنني دفعت الفاتورة في وقتها، أشعلت الضوء فاشتعل كأنه كان ينتظرني وأشعلت التلفاز تأملت الكراسي لمست مطفأة الدخان فتحت باب الغرفة الكتب مبعثرة على الأرض تماما كما تركتها، النوفذ لم تتحرك، الغاز سرى في الأنابيب .. أشعلته ليشعر أنني هنا .. ليستدفئ بي، فتحت الحنفية .. حتى الماء كان ينتظر يدي لينهمر .. كأس شاي مكافأةً للأشياء والحياة .. أسرعت الخطى لأتفحص باقي الكائنات التي تنتظرني .. وكأنما دبّت فيها الحياة .. كانت الأشياء تنطق بمجرد أن أراها .. رميت الجاكيت بشبه سعادة وخلعت نعليّ بتعسف واستعجال .. الشبشب في الحقيبة .. تناولتها بهمة وألقيتها على جانبها المريح .. لم تقع عيناي على القفل ذي الرقم السري .. فتحتها بعصبية .. تفقدت أشيائي بجنون .. لقد كسروا القفل .. وأخذوا بنطالي الممزوج برائحتي .. آخر ما بدلت في الصباح قبل انتقالي في الجغرافيا وكذا القميص الأخير فقد وضعتهما على السطح، ليس هذا غيرَ مهم .. لكن الأهمّ أنهم انتهكوا حقيبتي ..

 

ha

إقرأ أيضاً

الأكثر زيارة

Developed by MONGID | Software House جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2026