.. ومات الضرير أبو خليل.. دليل التائهين
بشار دراغمة - رحل أبو خليل السنونو، عصاته المقوسة ماتت معه، لن يدلّ التائهين بعد اليوم، وصحف حملها لمدة خمسة عقود ربما يكتب له نعي فيها، لكن لن يوزعه على القراء بنفسه، ستصلهم من آخرين بعدما اعتادوا أن يشاهدوا السنونو صباح كل يوم.
كان يعطيهم الصحف ويتباهى كأنه يمنحهم الخير كله، دون أن يدري أن جزءا كبيرا من أخبار تلك الصحف تتحدث عن الموت والقتل والدمار، فهو ضرير فاقد للبصر لا يدري ما يكتب في صحف يعمل في توزيعها منذ 50 عاما.
أبو خليل كان صاحب بصيرة، كان يعرف كل أزقة نابلس، يدخل إلى بلدتها القديمة، ويسلم كل مشترك لديه نسخته اليومية من الصحيفة.
يسمع بصيرا يسأل مواطنا عن عنوان ما، يتدخل ليبدأ الإرشاد بتفاصيل دقيقة، يذهل من حوله بذاكرة لم تعد قادرة على الرؤية منذ 20 عاما.
هو السنونو، هكذا يعرفه أهالي مدينة نابلس، يملي عليها تحية صباحية يومية، يحدثهم عن مضمون الصحيفة التي يوزعها، ويقرأ عليهم غيبا من أخبارها، بعدما استعان بآخرين ليخبروه ما هو العنوان الرئيسي لهذا اليوم، فيصدح بصوته المعهود مناديا بما عرف من أخبار.
كان السنونو يتحرك دون خوف من سيارة مارة، ربما تصدمه، فهو على ثقة بأنه يقدر المسافات جيدا، ويعرف متى يقطع الطريق، عشرات الكيلو مترات كان يقطعها يوميا في شوارع نابلس.
كان السنونو يرفض المساعدة وإذا ما حاول أحدهم التقاط يده لعبور الطريق، كان يكتفي بعبارة: "صدقني بعرف.. الله ييسر أمرك". كان يفضل السير وحيدا كما اعتاد على مدار الخميسن عاما الماضية ومنها 20 عاما بلا بصر.
توفي أبو خليل أمس عن 78 عاما، وحياته المليئة بالمشاق، لم تخل من بعض النوادر، خاصة عندما يطلب من بعض المارة قراءة أبرز ما جاء في عناوين الصحف، حتى يستطيع أن يصرخ بأعلى صوته ويحث القراء على الشراء منه، ولإضفاء جو من المرح كان بعض المارة يعطونه عناوين غير صحيحة، ومثيرة لاهتمام المواطنين رغم أنها غير موجودة في الصحيفة.
السنونو لم يكن يعرف الكثير عن حال الوطن إلا من خلال ما يسمعه من الناس ونشرات الأخبار، لكنه كان مقاوما على جبهته الخاصة، فيرفض القرارات التي تصدرها سلطات الاحتلال وحظر التجوال على المدن وعمليات الاجتياح والتوغل لا تعني السنونو نهائيا، فهو دائما يتحدى تلك القرارات ولا يلتزم بها مطلقا، فكل ما يملكه هو إرادة لتوفير لقمة العيش لأبنائه حتى لو كان الثمن حياته.
السنونو لم يذكر أنه التزم يوما بقرار حظر التجوال وكان يمارس عمله كالمعتاد، ولم يشعره بشيء غريب إلا أصوات قذائف ورصاص وغياب أصوات المواطنين الذين التزموا بقرارات حظر التجول.
ذات مرة قال: "تعرضت للخطر كثيرا، كنت أسمع إطلاق النار، بس ما كنت أعرف في أي اتجاه بكون الضرب، لكن العمر واحد والرب واحد وما بقدر استغني عن هذي المهنة" مشيرا إلى ابنه الذي استشهد برصاص الاحتلال خلال انتفاضة الأقصى ومعلقا:" كل شيء قضاء وقدر، ابني استشهد وأنا بعدني عايش، الله يرحمه، كل شي بيد الله، لهيك ما بخاف من شيء".

الأخبـــــــار
2015-02-22 | 08:52
2667