معركة التحدي بالجوع والإرادة...وقفة تقييميه- قدورة فارس*
قبل اثني عشر عاماً بالتمام والكمال، كان آخر إضراب ناجح للحركة الأسيرة.. حيث انتهى باتفاق ليلة الحادي والثلاثين من شهر أيار عام 2000 في سجن هداريم، وبعد ذلك عصفت بالمنطقة وبالسجون على وجه التحديد أحداث جسام، فبعد أن كان عدد الأسرى في ذلك الوقت 1500 أسير، بدأت الانتفاضة وزُج بالآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني في السجون خلال انتفاضة الأقصى، وقد استغلت الجهات الرسمية السياسية والأمنية الإسرائيلية مناخ العداء والمواجهة الدامي لتنفذ سلسلة من الإجراءات القمعية بحق الأسرى عبر الهجمات المستمرة والعقوبات الجماعية والتنكيل الممنهج والاعتداء على الحقوق وسلب ما أنجزته الحركة الأسيرة على مدار عقود من الزمن.. لدرجة أحس معها الأسرى أنَ حرب استنزاف تشن ضدهم، وبما لا يمكنهم من التقاط الأنفاس لاستعادة زمام المبادرة.. وقد كانت هناك محاولة عام 2004، إلا أنه لم يُكتب لها النجاح مما زاد الأمور تعقيداً. تلى هذا الانقسام المرير على الساحة الفلسطينية الذي عكس نفسه بصورة مرعبة على وحدة الحركة الأسيرة، وزعزع قدرتها على المواجهة والتصدي لمخططات الاحتلال، وكان واضحاً للأسرى أن الهجمة مستمرة وبلا حدود إلى ترفع الحركة الأسيرة راية بيضاء وتستسلم لإجراءات مصلحة السجون. وكان الأسرى على الصعيد الفردي والجماعي يدركون أن حرب الاستنزاف لن تتوقف، ولذلك أصبح اللجوء للإضراب عن الطعام ممراً إجبارياً وقرار لا بد من اتخاذه.
ولمعرفة الأسرى بأهمية تحشيد أقصى درجات القوة المستندة بالأساس إلى وحدة العمل والأداء، خاض الأسرى حواراً جدياً وعميقاً بشأن بلورة موقف جماعي، ولم يكن هناك خلاف على أن الإضراب أصبح خياراً وحيداً وبقيت نقطة التوقيت مثار جدل بين السجون، وحين شعرت مصلحة السجون بجدية التوجه هذه المرة أقدمت على تشكيل لجنة برئاسة ضابط متقاعد صاحب خبرة في إدارة شؤون الأسرى، يُدعى (ايتسك جباي) وكان الهدف من تشكيل هذه اللجنة نزع فتيل الإضراب عبر معالجات مجزوءة للقضايا الأساسية التي يعاني منها الأسرى، وهنا أيضاً اختلفت الحركة الأسيرة بين رأيين.. الأول: البدء بالإضراب والحوار مع الإدارة. أما الرأي الثاني: فكان إعطاء هذه اللجنة فرصة، فإما أن تعالج القضايا محل الخلاف أو البدء بالإضراب.. وبذلك إفقاد مصلحة السجون مبرراتها وذرائعها .. ولكون توقيت الإضراب مسألةً في غاية الأهمية اجتهدت مجموعةٌ كبيرةٌ من الأسرى للدخول في الإضراب بحيث ينتهي قبل شهر رمضان.. وخشية أن تحدث تطورات دراماتيكية في المنطقة، كالعدوان على إيران أو تطورات مثيرة في مصر وسوريا... الخ، يمكن أن تجعل من موضوع الإضراب موضوعاً ثانوياً.
لقد بدأ الإضراب الجماعي يوم 17/4/2012 بما يعنيه هذا اليوم في ذاكرة الشعب الفلسطيني، وكذلك في ظل الصمود الأسطوري الذي أبداه مجموعةٌ من الأخوة الإداريين والذي قارب على الشهرين في ذلك الوقت.. وحالة الضجيج والصخب التي رافقته بشكلٍ أعاد قضية الأسرى إلى صدارة وواجهة الأحداث. ولعل إضراب الأخ عدنان خضر وصموده وبسالته، أعادت الروح إلى الحركة الأسيرة ومن تلاه من الأخوة والأخوات –هناء شلبي وبلال ذياب وثائر حلاحلة وحسن الصفدي وعمر أبو شلال وجعفر عز الدين ومحمود السرسك ومحمد التاج وكفاح خطاب وأكرم الريخاوي...-حيث كان للإضرابات الفردية وحالات الصمود المثيرة التي أبداها هؤلاء الأبطال أثراً بالغاً على قرار خوض المعركة.
لقد كانت رغبة الحركة الأسيرة واضحة في العمل بشكلٍ جماعيٍ من خلال مشاركة كافة السجون .. لكن حين تعذر ذلك كان لا بد من تعليق الجرس والبدء بالإضراب بثلث الحركة الأسيرة. حيث بدأ 1500 أسير من كافة الفصائل وفي أكثر من سجن بالإضراب صبيحة يوم 17/4/2012 وقدَموا قائمةً بمطالب الحركة الأسيرة بشكلٍ عام، حيث استمر الإضراب مدة 28 يوماً أبدى خلالها المناضلين المضربين بسالةً وشجاعةً وإيمان.. على الرغم من سلسلة الإجراءات القمعية التي بدأت من اليوم الأول، حيث راهنت مصلحة السجون على كسر الإضراب وعدم السعي لإيجاد مخارج وحلول.. ولكن أمام صبر وثبات المضربين، أعاد الاحتلال حساباته ولجأ لطاولة الحوار، فانتهى الإضراب لما انتهى إليه منتصراً ومُسجلاً صفحة عزٍ وكبرياء في سجل كفاح الشعب الفلسطيني عامةً والحركة الأسيرة خاصةً.
صحيح أنَ الإضراب لم يُحقق كافة الأهداف التي من أجلها انطلق.. وهذا أمر طبيعي .. بالنسبة للعارفين بآليات إدارة المعركة في السجون استناداً لتقاليد الكفاح داخل الأسر، ولكنه انتصر.. نقول هذا، ليس رغبةً في المبالغة أو التقدير المفرط للذات بل استناداً إلى مجموعة من الاعتبارات الهامة، وهي كما يلي:
1. إن أهم شيء تقوم به وأنت تتعرض لهجمة وحرب استنزاف أن تمتلك إرادتك الحرة لتتخذ القرار ومن ثم تتحول من مدافع إلى مهاجم يمتلك زمام المبادرة، وقد حصل هذا قبل عشرة أيام من بدء الإضراب وكانت هذه إشارة الانتصار الأولى.
2. إصرار وعناد وثبات قيادة الإضراب على الانطلاق بالخطة في موعدها رغم التهديدات التي صدرت عن أعلى مستوى في مصلحة السجون بعد تسرب خبر قرارهم بالإضراب.. فكانت هذه الإشارة الثانية للانتصار.
3. المحافظة على جسم المجموعة مُوحداً رغم المحاولات الحثيثة من قبل إدارة السجون على خلق حالةٍ من الزعزعة والبلبلة بطرقٍ شتى.. إلا أن عدد الذين أنهوا إضرابهم يوم 14/5/2012 كان يزيد قليلاً عن عدد الذين بدؤوا الإضراب يوم 17/4/2012 وكانت هذه الإشارة الثالثة للانتصار.
4. لجأت مصلحة السجون إلى رفض الحوار مع المضربين استناداً لتقاليدها المقيتة في إدارة هذه الأزمات..ولكنها في النهاية جلست مع اللجنة التي أُعلن عنها في اليوم الأول للإضراب ومع هذه اللجنة اتخذ قرار إنهاء الإضراب، وهذه الإشارة الرابعة.
5. ما تحقق من مطالب وأهمها إخراج الأسرى المعزولين، فلا أجمل ولا أبهى ولا أعلى قيمياً من أن تنتصر جماعة أو أمة لمجموعة من الأفراد، فنحن ما زلنا نتغنى بانتصار المعتصم لامرأة مسلمة وخوضه حرباً ضروساً من أجل حريتها، وهناك مثل حاضر في أذهاننا لقرب حدوثه حين انتصرت الأمة التشيلية لمجموعة من عمال المناجم الذين علقوا بعد انهيار المنجم، فصارت عملية إنقاذهم المثيرة، مصدر فخرٍ لكل التشيليين الذين سخَروا قدرات بلدهم انتصاراً للإنسان وقيمته. وأسرانا الأبطال حين انتصروا لمجموعة من خيرة كوادر وقادة العمل الكفاحي، إنما سجلوا حالةً من الارتقاء الإنساني والأخلاقي والقيمي وكان في نهاية المعركة أن عاد تسعة عشر أخاً من أصل عشرين، حيث تمتنع الجهات الإسرائيلية الأمنية عن إعادة الأخ ضرار السيسي للأقسام العامة.
6. معالجة قضية إنسانية من الدرجة الأولى وهي زيارة أسرى قطاع غزة لذويهم بعد انقطاعٍ تام مستمر منذ حزيران 2007.
7. فتح حوار حول الكثيرين القضايا الحياتية اليومية التي ربما لا يُدرك قيمتها إلا من يفتقر إليها وهم الأسرى أي أنهم حركوا المياه الراكدة بإضرابهم بعد أن كانوا يستقبلون كل يومٍ إجراءاً قمعياً جديداً.
8. تمكن الإضراب من إعادة وضع قضية الأسرى موضعها الصحيح، وقد مكن ذلك الشعب الفلسطيني وبسلوكٍ تلقائيٍ فطريٍ أن يُجسد معاني وحدته على الأرض من خلال حالة التعاون التي تمت وإن لم تكن بصورتها الأبهى ولكن الحقيقة أنَ الشعب الفلسطيني بكل فئاته كان مع الأسرى وتوحدت مشاعرنا وعواطفنا على الأقل حول قضية واحدة.
لقد انتهت معركة ومخطئ من يظن أنَ الحرب انتهت داخل أقبية السجون، ولم تخرج إسرائيل من ثوب عنصريتها وستبقى تعمل على كسر إرادة الأسرى والنيل منهم... ولكن الإضراب وضع الحركة الأسيرة على منصة أعلى يستشرقون منها ملامح مستقبل أفضل، فقد شكلت نتائج الإضراب قاعدة صالحة للبناء عليها... وظني بالأخوة في كافة السجون ومن كافة الفصائل هم الآن بصدد تجاوز إرهاصات الإضراب وما سبقه لتقييم هذه التجربة والانطلاق نحو عمل جماعي يستند إلى روح متحفزة ثائرة تعمل على أرضية التنوع ولكن على أساس وحدة صلبة طالما كانت رافعة لانتصار الحركة الأسيرة.
ولا أملك ختاماً إلا أن أقول لأخوتي وأخواتي في السجون أنني لم أتفاجأ ببسالتكم ونُبلكم وفدائيتكم، فعلى هذا تعاهدتم ومضيتم وستستمرون حتى الحرية والاستقلال.
قدورة فارس
رئيس نادي الأسير الفلسطيني

الاسرى
2012-06-13 | 15:10
6063