'أمنستي' تبرز شهادات حول استهداف إسرائيل للمرافق الطبية والمدنيين العزل في غزة
أبرزت منظمة العفو الدولية 'أمنستي' اليوم الخميس، شهادات تثبت استهداف إسرائيل للمرافق الطبية والمدنيين في قطاع غزة.
وقالت المنظمة في تقرير لها: ترسم الشهادات التي أدلى بها الأطباء والممرضون وأفراد طواقم سيارات الإسعاف الذين تحدثت معهم منظمة العفو الدولية صورة مزعجة عن المستشفيات والعاملين في الميدان الصحي (الإخصائيين الصحيين) الذين تعرّضوا لهجوم من الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، حيث قُتل ستّة أطباء على الأقل. وثمّة أدلة متزايدة على استهداف الجيش الإسرائيلي للمرافق الصحية والعاملين في المجال الصحي (الإخصائيين الصحيين) في بعض الحالات.
وأضافت: منذ أن أطلقت إسرائيل عملية 'الجرف الصامد' في 8 تموز، تعرّض قطاع غزة لقصف كثيف من الجو والبر والبحر، وهو ما ألحق ضررا كبيرا (أثّر بشدّة) على المدنيين. فابتداء من 5 آب، ووفقا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، قُتِل 1,814 فلسطينيا في القطاع، شكّل المدنيون منهم 86%. وأصيبَ ما يفوق 9,400 فلسطينيا، حيث وُصِفَت إصابة الكثير منهم بالخطيرة. وتشير التقديرات إلى أن 485,000 فلسطيني تشرّدوا في كافة أرجاء القطاع، حيث التجأ كثيرون منهم إلى المستشفيات والمدارس.
وأضاف التقرير: لقد تلقت منظمة العفو الدولية تقارير تفيد بأن الجيش الإسرائيلي فتح النار مرارا على سيارات الإسعاف التي كانت تحمل علامات واضحة وأضواؤها مشتعلة وأيضا على المسعفين الذين كانوا يرتدون سُترا فلورية يسهل التعرّف عليها فيما يلبّون نداء الواجب. ووفقا لوزارة الصحة الفلسطينية، قُتل ستّة على الأقل من أفراد طواقم سيارات الإسعاف إلى جانب 13 عاملا من عمّال الإغاثة عندما حاولوا أن ينقذوا الجرحى وينتشلوا جثث القتلى. بالإضافة إلى ذلك، أصيبَ 49 طبيبا وممرضا ومسعفا على الأقل نتيجة هجمات كهذه، وأصيبَ أيضا 33 عاملا على الأقل آخر من عمّال الإغاثة.
وذكر أن إسرائيل أُجبِرَت خمس مستشفيات على الأقل و34 عيادة على إغلاق أبوابها بسبب الضرر الذي لحق بها جرّاء القصف الإسرائيلي والأعمال العدائية المتواصلة في المنطقة القريبة منها.
وأضاف: وتعاني المستشفيات في قطاع غزة من نقص في الوقود والطاقة، حيث أن هذا النقص تفاقم نتيجة الاستهداف الإسرائيلي لمحطة الطاقة الوحيدة في القطاع في 29 تموز. وتعاني المستشفيات أيضا من إمدادات المياه غير الكافية والنقص في الأدوية الأساسية والمعدّات الطبية. وقبل اندلاع الأعمال العدائية الحالية كان وضع المستشفيات شديد الخطورة بسبب الحصار الإسرائيلي الذي لا يزال مفروضا على القطاع منذ سبعة أعوام، إلا أن هذا الوضع تفاقم بشدة منذ أن اندلعت.
وتابع: لقد طالبت منظمة العفو الدولية إسرائيل مرارا وتكرارا بإنهاء الحصار المفروض على قطاع غزة فورا، حيث أن هذا الحصار يشكّل عقابا جماعيا بحق سكان القطاع بأكملهم وخرقا للالتزامات التي تقع على عاتق إسرائيل بموجب القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
وأردف: إن منظمة العفو الدولية على عِلم بالتقارير التي أفادت بإطلاق المجموعات المسلّحة الفلسطينية للصواريخ العشوائية من قرب المستشفيات أو المرافق الصحية أو باستخدامها لهذه المرافق أو المناطق لأغراض عسكرية، إلا أن المنظمة لم تتمكّن من التأكّد من أيّ من هذه التقارير. وفيما يشكّل استخدام المرافق الصحية لأغراض عسكرية انتهاكا خطيرا للقانون الإنساني الدولي، يتعيّن أن تتمتّع المستشفيات وسيارات الإسعاف والمرافق الطبية بالحماية ولا بدّ من افتراض وضعها المدني.
وأضاف التقرير: إن الهجمات الإسرائيلية التي تقع بقرب مرافق كهذه –شأنها في ذلك شأن كافة الهجمات الأخرى التي شُنَّت خلال الأعمال العدائية- أن تمتثل لقواعد القانون الإنساني الدولي، بما في ذلك الالتزام بالتمييز بين المدنيين والأهداف المدنية من جهة والأهداف العسكرية من جهة أخرى والالتزام أيضا أن تكون الهجمات نسبية والالتزام بتوفير (المدنيين) إنذار فعال. كما يتعيّن ألا تُجبَر المستشفيات والمرافق الصحية على إخلاء المرضى تحت القصف.
وقال: لاقى محمد العبد الله، 32، الذي يعمل مسعفا لدى جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، حتفه في 25 تموز بنيران أطلقها الجيش الإسرائيلي عليه عندما كان يحاول أن ينقذ مصابا محاصرا في المنطقة التي كانت تخضع لسيطرة الجيش الإسرائيلي. وقد صرّح حسن العطّال، 40، وهو زميل محمد العبد الله والذي كان يرافقه وكان شاهدا على إصابته بنيران الجيش الإسرائيلي، لمنظمة العفو الدولية بما يلي: 'في 25 تموز تمّ تكليفي وزميلي محمد العبد الله بمهمّة الوصول إلى مصاب في القرارة. لذا توجّهنا بعد ظهر ذلك اليوم إلى المنطقة، إلا أننا لم نتمكّن من اجتيازها بسبب أكوام الرمل التي كانت تغلق الطرقات والتي كانت الدبابات الإسرائيلية جاثمة بجانبها. وحيث أننا لم نتمكّن من الوصول إلى وجهتنا، ألغينا المهمّة وعُدنا أدراجنا.'
ويضيف: 'في تمتم الساعة العاشرة ليلا من ذلك اليوم، تم تكليفنا بتنفيذ المهمّة ذاتها. لذا انطلقنا ووصلنا إلى تقاطع شارعيّ صلاح الدين والعمدة، ومن ثمّ توجّهنا شمالا في محاولة للوصول إلى المنطقة سالكين طريقا غير الطريق التي كنّا قد سلكناها سابقا. وكنا على اتصال دائم مع الصليب الأحمر طيلة الوقت معتمدين عليه في كل خطوة على الطريق، حيث أننا أبلغنا الصليب الأحمر كل ما واجهناه بالتفصيل وذلك كما نفعل دائما عندما ندخل إلى المناطق التي تخضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية.'
ويتابع:' وفي لحظة ما وعندما كنا نستقلّ سيارة الإسعاف، اعترضتنا أسلاك الكهرباء التي كانت في وسط الشارع. فأبلغنا الصليب الأحمر بأن الطريق مغلق وبعدم تمكّننا من اجتيازه. فطلب منّا الصليب الأحمر أن نحاول اجتياز الطريق بطريقة ما، ولكننا أبلغناه مجددا بعدم مقدرتنا على ذلك. فما كان من الصليب الأحمر إلا أن اتصل بالإسرائيليين وأبلغهم عن الأسلاك الكهربائية التي كانت تسدّ الطريق وكيف أنه لم يكن بمقدورنا اجتيازها. ومن ثمّ أعاد الصليب الأحمر الاتصال بنا وأبلغنا بأن الجيش الإسرائيلي أشار عليه أن نخرج من سيارة الإسعاف ونجتز الطريق مشيا حاملين الكشافات الكهربائية. لذا قلتً لزميلي محمد: 'علينا الذهاب. لقد وافقوا على أن نجتاز الطريق مشيا أن نخلي المصاب (الحالة) مباشرة منهم.'
وقال: 'وعليه، كان أن انطلقنا واجتزنا مسافة 10-12 مترا إلى أن تعرّضنا فجأة لإطلاق نار مباشر. فما كان من زميلي إلا أن صرخ وقال لي: 'لقد أطلقوا النار عليّ'. وقد استمر إطلاق النار في كل مكان، ولم أتمكّن نتيجة لذلك من إخلاء (سحب) زميلي، ولو كنتُ قد حاولت لكنتُ قد أصبتُ وسقطتُ جانبه، لذا فررتُ من المكان وجلستُ في سيارة الإسعاف. ومن ثمّ اتّصلت بالمركز (المحطة)، وأخبرتهم بأننا تعرّضنا لإطلاق النار وأن محمد أُصيب. لذا توجّه مسؤول المركز (المحطة) مصطحبا سيارتيّ إسعاف محاولا أن ينقذ زميلنا. وعندما خرج زملاؤنا (المسعفون) لكي يخلوا محمد، تعرّضوا كذلك لإطلاق النار. لذلك، اتصّل مسؤول المركز بالصليب الأحمر وطلب منه أن السعيّ إلى توقّف إطلاق النار حينما نعمل على إخلاء محمد. ولقد تمكنا من أن نحضره إلا أنه فارق الحياة.'
وتابع: 'عندما تعرّض محمد لإطلاق النار وأصيبَ وعدتُ مسرعا إلى سيارة الإسعاف، واصل كلٌ منا الصراخ على الآخر. لقد تمكّنتُ من سماع صوته. لقد كان يصرخ قائلا: 'تعال'، وطلبتُ منه أن يحاول ويزحف مقتربا مني لكي إذا ما اقتربتُ منه أتمكّن من إخلائه (سحبه)، وبالتالي إبعاده عن إطلاق النار. إلا أن زميلي محمد ظل يقول بعدم تمكّنه من الزحف إلينا، في حين أننا لم نتمكّن من الاقتراب إليه. ومن ثمّ وبعد أن قمنا بالتنسيق مع الصليب الأحمر، وصل بقية الزملاء وتمكّنا من استعادة محمد، إلا أنه كان قد توفّي متأثرا بإصابته.'
وقد تحدّثت منظمة العفو الدولية بشكل مستقل مع محمد غازي الحسي مسؤول مركز جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في خان يونس، حيث أنه كان قد تلقّى نداء (مكالمة) لإنقاذ محمد واستجاب وزملاؤه لهذا النداء (المكالمة).
وقال محمد في معرض شهادته للمنظمة: 'عندما تلقّينا النداء (المكالمة) من الصليب الأحمر، قالوا أن إسرائيل هي التي كانت قد طلبت إخلاء المصاب. لذا انطلق فريق تألف من سائق سيارة الإسعاف محمد العبد الله ، والمسعف حسن العطّال والمتطوع غالب أبو خاطر لكي نخلي المصاب. وبعد مرور 15 دقيقة، سمعتُ صوت حسن العطّال يصرخ على جهاز الاتصال اللاسلكي 'إننا نتعرّض لإطلاق النار. إننا نتعرّض لإطلاق النار من الإسرائيليين وقد سقط محمد مصابا وهو لا يبدي أيّة استجابة لي.''
وأردف: 'وفورا انطلقتُ إلى المنطقة مصطحبا سيارتيّ إسعاف، وكنتُ على اتصال دائم مع الصليب الأحمر. حاولتُ الاتصال بمحمد العبد الله على رقميّ جواله إلا أننا لم نتلقّى ردا. توجّهنا أولا إلى منطقة آمنة تبعد 100 متر تقريبا عن موقع محمد العبد الله وحسن العطّال. لقد أدركتُ أن محمد وحسن وغالب كانوا خارج سيارة الإسعاف، حيث أنهم لم يستطيعوا الوصول إلى المصاب بالسيارة. ذلك أن الإسرائيليين كانوا قد طلبوا منهم بالخروج مشيا من سيارة الإسعاف، لذا خرج السائق والمسعف حاملين الحمّالة وكشف كهربائي. وما إن سلكوا الطريق الترابي الذي كان يقود إلى المصاب، تعرّضوا لإطلاق نار مباشر، وتحديدا محمد العبد الله.'
وأكمل: 'طلبتُ من الصليب الأحمر تنسيق دخولنا إلى المنطقة لإخلاء محمد. انطلقتُ وزملائي، حيث كنّا ستّة أو سبعة أفراد. وما إن وضعنا الحمّالة بجانب محمد لإخلائه، حتى تعرّضنا لإطلاق نيران كثيفة من الجنود الذين كانوا في المنطقة.'
وقال: 'لقد أطلق الجنود طلقات مباشرة باتجاه رؤوسنا وتحت أقدامنا، ما دفعنا إلى إخلاء المنطقة. وكان محمد في تلك الأثناء ينزف بشدّة. لقد كان حيّا عند تلك اللحظة، وكان زيّه ملطّخا بالدماء. لم نتمكّن من وضع محمد على الحمّالة بسبب إطلاق النيران.'
وأردف: 'لذا فررنا من المكان، واتّصلنا بالصليب الأحمر وأخبرناه أننا تعرّضنا لإطلاق النار. مكثنا لمدّة 10 دقائق إلى أن أعاد الصليب الأحمر الاتصال بنا وأخبرنا بأن نرسل اثنين من الفريق لكي يخليا محمد. لذا توجّه اثنان من زملائي مرّة أخرى إلى المنطقة، ووضعا محمد على الحمّالة ونقلاه إلى سيارة الإسعاف حيث نقلناه على وجه السرعة إلى مستشفى ناصر. لقد كان محمد حيا وكان يستطيع التنفّس. لقد حاولنا إسعافه في المستشفى، إلا أنه فارق الحياة في غرفة العناية المكثّفة.'
وقال: وصرّح د. بشار مراد مسؤول وحدة الطوارئ والإسعاف في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في معرض إدلائه بشهادته لمنظمة العفو الدولية عن مقتل محمد العبد الله قائلا: 'كنّا قد تلقّينا إذنا بالدخول إلى المنطقة، حيث كان الجيش قد اتصل بالصليب الأحمر وطلب إرسال سيارة إسعاف لإخلاء المصاب. وعندما المسعف محمد إلى المكان أُرديَ قتيلا، بالرغم من أنه كان يستقل سيارة إسعاف تحمل علامة واضحة على أنها كذلك. وكان محمد يرتدي الزيّ الطبي الذي كان يجعله مميزا، وكان يحمل حمّالة عندما استهدفه قناص. وقد اخترقت الرصاصات وركه وصدره، وحتى عندما حاول زملاؤه أن ينقذوه تعرّضوا لإطلاق النار. لذا اتصلنا بالصليب الأحمر وأبلغناه عمّا حصل وطلبنا منه التدّخل للسماح لنا بإنقاذ المسعف، إلا أننا مُنعنا من الوصول إليه لمدّة نصف ساعة تقريبا. لقد تُرك محمد ينزف إلى أن فارق الحياة.'
وأضاف: 'لقد قُتِلَ محمد بالرغم من الضمانات التي تلقّيناها من الصليب الأحمر والتي أفادت أن المنطقة آمنة وأنه كان بإمكاننا التوجه إليها. لقد تمّ تأكيد دخولنا إلى المنطقة مرتين للجيش من خلال الصليب الأحمر. وكان من الممكن أن يُقتَل زملاء محمد لو لم يكونوا قد التجئوا إلى بيت قريب. لقد تعرّضوا لإطلاق نار. لذا يتعيّن على الصليب الأحمر أن يدعو إلى المساءلة في هذه الحالة.'
وقال التقرير: كما لقيّ عايد البرعي، طبيب متطوع مع جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني يبلغ من العمر 28 عاما، حتفه حوالي الساعة 4:30 من بعد ظهر يوم 25 تموز في بيت حانون عندما أصابت قذيفة أطلقها الجيش الإسرائيلي سيارة الإسعاف التي كانت يستقلها في طريقه لعلاج مصاب. وتعقيبا على هذا الاستهداف، صرّح جواد بدير، 50 عاما، وهو مسعف كان يرافق عايد البرعي أصيبَ أثناء الهجوم، لمنظمة العفو الدولية بما يلي: 'عندما كنتُ أعمل في منطقة بيت حانوزن، تلقيتُ اتصالاً من 'موزّع المهام' في مركز إسعاف جباليا يفيد بوقوع إصابات في شارع المصريين، حيث كانت حالاتهم صعبة. وكان يبعد شارع المصريين حوالي 100 متر عن مكان وجودي في مستشفى بيت حانون، وهو المركز الذي أعمل فيه. لذا انطلقتُ وفريقي إلى شارع المصريين، حيث أن المسافة التي كانت تفصلنا عن موقع الإصابات لم تتجاوز 100 متر. وكان هناك طريق فرعي عرضه 6 امتار والذي حاولنا أن نسلكه، ولكن وقع فجأة انفجار مباشر على سيارة الإسعاف، وهو ما أصابنا بالصدمة.'
وتابع: 'وفجأة أتت النيران على أعلى رأسي واحترق وجهي، وكانت النيران تشتعل في شعري ويدي. حاولت أن أطفئ النار، ولكن عندما حاولت أن افتح الباب بجانبي لم يفتح. لذا اعتقدتُ بأنه يمكنني الخروج من الباب الموجود على الجهة اليمنى خلف المسعف حاتم شاهين، الذي كان يجلس بقربي. وكان يجلس خلفي المرحوم عايد البرعي. ولدهشتي لم أتمكّن من العثور على حاتم شاهين أو المقعد الذي كان بجانبي، إذ لم يكن هناك أحد بجانبي.'
وأردف: 'تمكنت أخيرا من الخروج، وصُدمت عندما وجدت عايد ملقىً على الأرض ميتاً وجذعه العلوي ممزقا. لقد كان باستطاعتي رؤية أحشائه. لست متأكدا من كيفية حدوث ذلك.'
وقال: 'نظرتُ إلى الجزء الخلفي من السيارة ولم استطع رؤيته. فلقد كان قد تدمّر وانفصل كليا عن الجزء الأمامي للسيارة. لقد كانت السيارة قد أصبحت أجزاء منفصلة عن بعضها البعض ومتناثرة. خرجت من الجزء الخلفي واتجهتُ مسرعا إلى مستشفى بيت حانون الذي لم يكن يبعد أكثر من 200 متر. وعندما وصلت باب المستشفى، أغميَ عليّ من هول الصدمة والرعب ممّا حصل ولأنني كنت صائما. قدّم الفريق الطبي الرعاية الطبية لي، ونجوتُ بأعجوبة. اعتقدُ أنه تم استهدافي مباشرةً. فالاحتلال (الجيش الإسرائيلي) لا يفرق بين الحجر والشجر والإنسان، الكل مستهدَف.'
وقال الدكتور بشار مراد لمنظمة العفو الدولية أن سيارة الإسعاف التي أُرسلَت لإخلاء جثة عايد البرعي تمّ استهدافها أيضا، مما أسفر عن إصابة طبيب آخر. ولم تتمكن جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني من إخلاء جثة عايد حتى اليوم التالي.
وأردف التقرير: وأصيبَ محمد أبو جميزة،47 عاما، وهو مسعف يعمل على سيارة إسعاف تابعة لوزارة الصحة، في 24 تموز، عندما طالت الهجمات (القصف) الجوي الإسرائيلي سيارتيّ الإسعاف اللتين كان يستقلّهما حيث استهدفت سيارتي الإسعاف اللتين كان يستقلهما في خان يونس.
وقال محمد لمنظمة العفة الدولية: 'في ليلة 24 تموز ما بين 11:00 و11:30، تلقيتُ مكالمة هاتفية لنقل حالة من مستشفى ناصر، وهو المستشفى الذي أعمل فيه، إلى المستشفى الأوروبي. وقد كانت الحالة بحاجة لممرض وطبيب. فرافقني الدكتور مجدي العامور وزميلي شادي أبو مصطفى. أخلينا المصاب بصحبة اثنين من أقاربه إلى المستشفى الأوروبي حيث أدخلناه. وفي طريق عودتنا إلى مستشفى ناصر، كنّا ثلاثتنا فقط في سيارة الإسعاف التي كانت تحمل علامة واضحة تفيد بأنها كذلك. وكنا نرتدي جميعنا الزي الطبي ونقود سيارة الإسعاف التي كانت أضواؤها مشتعلة وأصوات صفاراتها مدويّة.
وأردف: 'عندما وصلنا إلى الجامعة الإسلامية، سمعتُ صوت انفجار بجانبنا تماما. حيث تكسر الزجاج الأمامي والخلفي لسيارة الإسعاف. وطلب مني زملائي ان أقود السيارة بسرعة أكبر ، ففعلت. وعندما كنت أسير باتجاه منعطف، سقط صاروخ ثان ومن ثمّ ثالث بالقرب منا. وكان الانفجار الناجم عن كل صارخ يهزّ السيارة. وعندما سقط الصاروخ الرابع فقدت السيطرة على السيارة واصطدمنا. كنت أقود سيارة الإسعاف بسرعة 70-80 كم/س في تلك اللحظة. وعندما اصطدمنا، ركضنا والتجأنا إلى بناية قريبة. وأطلقَ صاروخان أيضا، وكان في البناية أشخاص من بينهم مصابين. وكانت كافة الصواريخ التي سقطت قريبة منا حينما كنتُ أقود سيارة الإسعاف.'
وواصل: 'خرج الناس من منازلهم بسبب القصف، وكان الكل مصابين بالرعب. وكان البعض مصابا بالشظايا. وجدنا ملجأً وطلبنا سيارة إسعاف. اتصلنا بجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني وأخبرناهم بأن ثمّة مسعفين قد أصيبوا. وصلت سيارات الإسعاف بعد حوالي 10 دقائق. دخلتُ وزميلي السيارة وكنتُ مصابا في رأسي ووجهي ينزف.
وقال: استقليّتُ السيارة بصحبة زميلي سالم أبو الخير الذي كان يعمل في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني وثلاثة أشخاص أصيبوا بواسطة الشظايا. وبينما كنا في طريقنا أصابنا صاروخ، وبعد أن قطعنا مسافة 30 متر أصابنا صاروخ آخر. ووقع انفجار ضخم إلى درجة أن نافذة سيارة الإسعاف تكسرّت جراء صوت الانفجار. كنت أجلس خلف السائق. فأوقفنا السيارة، وخرجنا منها وركضنا، والتجأنا إلى بيت قريب. كان كلانا ينزف. فاتصل زميلي بجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني وأخبرهم بما حصل، إلا أننا طلبنا منهم ألا يرسلوا سيارة إسعاف أخرى بدون التنسيق المسبق مع الصليب الأحمر، وذلك لأنها كانت ستُستهدَف. وبعد 20-25 دقيقة، وصلت سيارة إسعاف تابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني ونقلتنا إلى مستشفى ناصر. وكان زميلي الذي يعمل مع الهلال الأحمر قد أصيب في يده، في حين أنني كنتُ قد فقدتُ قدرتي على السمع وأصبتُ في الوجه (الأذن والشفتين) والرأس'.
كما تحدّث هاني جعفراوي رئيس وحدة الإسعاف التابعة لوزارة الصحة الفلسطينية لمنظمة العفو الدولية عن بعض الأخطار التي واجهها أثناء انضمامه لبعثات الإسعاف في شمال غزة: 'خلال جولاتي شاهدت دمارا هائلا. كنت أقود السيارة وأصوات القصف الكثيف تدوّي حولنا طوال الوقت. لم يتم استهدافنا مباشرةً، ولكننا كنّا عرضة لخطر النيران من حولنا. كانوا يطلقون النار بقربنا مباشرة عندما أرادوا أن يوصلوا لنا رسالة مفادها أنه يتعيّن علينا أن لا نواصل السير. لذلك كنا نتوقف. لقد كانوا يحذروننا بإطلاق النار علينا.'
وأردف: 'ويوم الخميس الموافق 24 حزيران رافقت سيارة إسعاف كانت متّجهة لنقل جرحى إلى القدس عبر معبر 'إيريز'. لقد عملنا على نقل ستة مصابين في اليوم. كنا نتحرّك على شكل مجموعة من سيارات الإسعاف. وكنا نغادر المستشفى الأوروبي ونعود أدراجنا إلى شارع صلاح الدين بعد تسليم المصابين. وكنا نشعل الأضواء ونطلق صفارات سيارات الإسعاف ونحن نجوب الشوارع الخالية. لم يكن أحد هناك البتّة. ووجدنا شخصين مصابين ملقيين على جانب الطريق. وعندما توقفنا لإخلائهما، أطلق الإسرائيليون القذائف بقربنا، هو ما ألحق أضرارا خارجية بسيارات الإسعاف وأصابت الشظايا أحد الأطباء. لم يكن هناك أحد حولنا. وكان القصف يستهدفنا على الرغم من أن القذائف لم تصب سيارة الإسعاف مباشرة. كيف يمكنك أن تفسّر الأمر بطريقة أخرى؟ لم يكن هناك أشخاص سوانا والمصابين'.
وأكمل إفادته: 'وفي 21 حزيران استهدف القصف المدفعي الإسرائيلي أجزاء من مستشفى الأقصى في دير البلح، وهو ما أدّى إلى مقتل أربعة أشخاص وجرح العشرات من بينهم عاملون في المجال الطبي، ومرضى، وأشخاص فرّوا من العنف والتجأوا إلى المستشفى. وفي هذا السياق، قال جابر خليل ابو رميلة، وهو مشرف خدمات الطوارئ والإسعاف في المستشفى، كان هناك في ذلك الوقت في معرض شهادته لمنظمة العفو الدولية بما يلي: 'في تمام الساعة الثالثة من بعد ظهر يوم 21 حزيران بعد صلاة الظهر، كنت في مكان عملي في المستشفى. وبينما كنت أقوم بعملي في وحدة الطوارئ، سمعت صوت قصف هزّ المستشفى. لقد كان صوت قصف مدفعي. حيث أصابت القذائف المدفعية وحدة الحمل والولادة القيصرية في الطابق الرابع وأصابت من بعدها المستشفى قذائف أخرى. لقد كان الناس مرعوبين، فيما هرول المرضى مسرعين إلى الخارج، ولم يستطع الأطباء الدخول وإخراج المصابين والقتلى. وبينما كنا نحاول أن نهدئ من روع الناس وتقديم العناية للمصابين، أصابت قذائف مدفعي أخرى المبنى. أصابت القصف الطابق الثالث الذي كان يضم وحدات الجراحة ووحدة العناية بالأطفال ووحدة القلب. وأسفر القصف عن مقتل أربعة أشخاص. واخترقت قذيفة الجدار الشرقي للطابق الثالث واخترقت جدارا في الوسط وأصابت الممرضة إيمان أبو جياد وكسرت ذراعها.'
وتابع: 'الفوضى العارمة كانت تعم المكان. كان الذعر قد أصاب كافة المرضى والزائرين والأشخاص الذين التجأوا إلى المستشفى بالإضافة إلى الممرضين والأطباء والعمال. لقد كان هناك 30-40 من الأطفال المرضى. نزل جميعهم إلى الطابق الأرضي، حيث كانوا مذعورين. وعندما كانوا في الطابق الأرضي، أصابت المبنى قذيفة أخرى، أدت إلى تحطّم النوافذ الزجاجية. وقد استمر القصف المدفعي على المستشفى منذ بدايته وحتى النهاية 30 دقيقة. وأصيبت سيارات الإسعاف وطواقم سيارات الإسعاف عندما انهار الحطام عليهم.'
وقال: 'لقد كانت مأساة بالنسبة لجميع الحوامل وتلك اللواتي وضعن أطفالهن. لقد رأيت بأم العين امرأة تركض مع طفلها حديث الولادة الذي كانت قد وضعته للتو. بعض النساء كانت تضع مواليدها أثناء القصف في الطابق الأرضي، وتم نقل ثلاث نساء إلى مستشفيات أخرى.'
وأضاف: 'لقد كنا مذعورين. وكنت قلقا على نفسي، ولكن كان لدي واجب لأقوم به. لذا كان عليّ ألا أقلق على نفسي، بل أن أعتني بالمرضى والزملاء المصابين. اتّصلنا بالصليب الأحمر والصحفيين. وعندما وصل الصليب الأحمر أخبرناه بما حدث. وبينما ذهب الصليب الأحمر لتفقد ما حدث، أصابت القذائف المستشفى مرة أخرى. فما كان من الصليب الأحمر إلا أن أوقف زيارته وغادر على وجه السرعة. وكان الجميع يطالبهم في الصليب الأحمر بتوفير الحماية، وأكدّنا على أن أن المستشفيات يجب أن تبقى في منأى عن القصف في أي مكان ومهما كانت الظروف'.
وأضافت ' أمنستي' في تقريرها: وتلزم اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين في وقت الحرب الصادرة في 12 آب 1949 الدول باحترام الجرحى وحمايتهم، والسماح بنقل الجرحى والمرضى من المناطق المحاصرة وأيضا مرور العاملين في المجال الطبي إلى مناطق كهذه، حيث قد تشكّل العرقلة المتعمدة للعاملين في المجال الطبي ومنعهم من تقديم الخدمات الطبية للجرحى والتسبّب 'بمعاناة شديدة ومتعمّدة أو إصابة خطيرة للجسم أو الصحة' انتهاكا خطيرا لاتفاقية جنيف الرابعة وجريمة حرب.
ووثقت منظمة العفو الدولية هجمات الجيش الإسرائيلي على العاملين في المجال الصحي أثناء العمليات العسكرية في غزة عاميّ 2008/2009، وسنة 2012، حيث أكدت في تقاريرها أن تعريض حياة العاملين في مجالي الصحة وعاملي الإغاثة وعرقلة عملهم إنما يشكلان انتهاكا للقانون الدولي.

الأخبـــــــار
2014-08-07 | 21:53
2499