تمهيدا لتفجير منزل أسير: الاحتلال يجبر مواطنين على الإخلاء في دورا جنوب الخليل    استشهاد مواطنة برصاص الاحتلال في مخيم المغازي وسط قطاع غزة    ارتفاع حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 72,234 والإصابات إلى 171,852 منذ بدء العدوان    الاحتلال يواصل إغلاق المسجد الأقصى لليوم الـ15    عاصفة رملية تضرب قطاع غزة وتُفاقم مأساة النازحين    تصاعد التهديدات مع دخول الحرب أسبوعها الثالث والأسواق تدفع الثمن    4 اصابات بالرصاص والضرب وسرقة أغنام في هجوم للمستعمرين شرق بيت لحم    حالة الطقس: أجواء خماسينية ومغبرة وسقوط أمطار متفرقة    النفط يسجل أعلى مستوى منذ عامين    مستعمرون يستولون على ممتلكات لمواطنين في تجمع "خلة السدرة" قرب مخماس    الشيخ: تصعيد إرهابي كبير من المستعمرين ونطالب المجتمع الدولي بتوفير الحماية لشعبنا    الرئاسة تدين جرائم المستعمرين بحق شعبنا وتطالب بتدخل دولي لوقفها    الاحتلال يحتجز مواطنين ويحولا منزلا لثكنة عسكرية في قصرة جنوب نابلس    شهيد ثالث في أبو فلاح شمال شرق رام الله    تجدد غارات الاحتلال على الضاحية الجنوبية لبيروت  

تجدد غارات الاحتلال على الضاحية الجنوبية لبيروت

الآن

الحنين الى الحبر الأخضر - احمد دحبور

يخطر لي أحيانا، ان الحالة الفلسطينية الاستثنائية، قد اعادت انتاجنا حتى لنكاد نغدو مختلفين عن بقية البشر، وما زلت اذكر واحدة من سهرات العمر، مع الشاعر المصري الراحل الكبير امل دنقل، فقد كان يجلس في الطرف المقابل منه اثنان: هما الكاتب الفلسطيني رشاد ابو شاور وكاتب هذه السطور ولم نكد نستقر في الجلسة، حتى مال عليّ رشاد، او ملت عليه، ورحنا نتهامس، وعندها حبكت النكتة مع المرحوم امل فصاح بأعلى صوته: ألا يمكن ان يجتمع فلسطينيان من غير ان تكون لهما اسرار خاصة؟ وهو سؤال مفهوم مشروع يتعلق بالقلق الفلسطيني، سواء أكان وجوديا أم فكريا أم مزاجيا، والحرص على ازالة سوء الفهم المفترض بين الفلسطينيين انفسهم، والواقع ان هذا الوضع الاستثنائي حتى لا اقول الشاذ، ليس امتيازا لنا ولا علامة خصوصية، بل ان القلق المستدام الذي يرافقنا، يتحول الى اسئلة، والاسئلة الى نقاش، وقد يتطور النقاش الى خلافات صغيرة او كبيرة.
ولا يصعب على المراقب المحايد ان يجد سببا للمماحكات الفلسطينية، لان الواحد منا يأتي مسبوقا بسؤال او اسئلة، ويمكث في حضرة اسئلة مستجدة، ويمضي متبوعا بسؤال و آخر، ولا يمكن اعتبار هذه الشكوى - اذا كان من سبب للشكوى - بمثابة احتجاج على اوضاعنا الحالية، بل هو تقرير موضوعي عن وضعنا الذي أكاد اصفه بالاستثنائي، وقد تحضرني لهذه المناسبة نادرة تتعلق باثنين جائعين، وقد انهكمها حديثهما المستدام الدائر حول الجوع، فقررا ان يغيرا الحديث باللجوء الى التجريد، فسأل احدهما الآخر: كم يساوي واحد وواحد؟ فأجابه صديقه على الفور: رغيفين!! بمعنى ان الموضوع الذي يؤرق البشر سيظل يتمظهر بأشكال مختلفة حتى لو حاولوا تجاهل المشكلات التي تؤرقهم، وهكذا فلا تتوقعوا من فلسطيني كلاما لا يتعلق في آخر المطاف بالموضوع الفلسطيني!! اما حمولة هذا الموضوع، تركيزا او عمقا او محاور مختلفة، فهي تتراوح وتتغاير حسب طبيعة المتحاورين، وكما يقال في المثل الشعبي: عندما خلق الله اثنين، خلق لهما عقلين لا واحدا.
اخلص من هذا الى ان الاشكال الفلسطيني، قد سحب حضوره على الفلسطينيين جميعا بهذه النسبة او تلك ولا انتهاء له حتى بانتهاء الجدل التاريخي المحتدم حول قضيتنا الوطنية، واذا كان استاذنا، في المدرسة، يخط لنا علامات بحبره الاخضر، حتى يميز تقويمه لنا عما كتبناه، فإن هذا الحبر الاخضر، بما هو علامة رقابة وتقويم، سيظل يرافقنا ما حيينا..
وقد كنت اذهب الى هذا الظن عندما كنت اعيش في بلد عربي غير فلسطين، فكنت اعتقد بأن مزاجي السياسي ملتحم بهويتي الوطنية التي لا اريد مغادرتها، حتى اذا عدت الى الجزء المتاح لنا من الوطن، اكتشفت ان هذه النزعة للاختلاف - او للخصوصية على الاقل - لا تزال ترافقني من غزة الى رام الله الى ما شاء الله من حدود فلسطين.
ولكن لم لا؟ ألا نوجد على هذه الارض او سواها، فأفكار مختلفة وامزجة مختلفة ورغبات متغايرة؟ وهل الاختلاف علامة خلاف ام انه وضع انساني ملازم للكائن البشري منذ ان يدب على الارض حتى يثوي فيها؟
ويبقى ان الظرف الموضوعي الذي يشهد على حضورنا في هذا العالم، يحكمنا بأسئلة من طبيعة تجربتنا ومعاناتنا، وسيظل الفلسطينيان يتهامسان وهما في غمرة حضور عام، ذلك ان ما يؤرقنا ويرسلنا الى العالم، ليس مجرد مزاج نكد، بل هو قلق وجودي وتوق الى التحقق وصياغة المصير، بل ان من المفارقات الطريفة، ان احدنا اذا خطر له «ان يخرج على الخط» فيكتب موضوعنا مغرقا في الذاتية - سيجد قارئا رقيبا ينبهه الى قدره المحبب، وهو ان يكون باستمرار ابناً لهذا الشعب، واسئلته العامة من طبيعة اسئلة الشعب. ولا انكر ان هذا الوضع الفلسطيني المركب، قد يفضي في بعض الحالات المحدودة غير السوية، الى نوع من الافتعال، ولكن المأزوم محكوم بمعالجة ازمته، وقديما قلنا في امثالنا الشعبية: انا منك هارب وانت معلق بالشارب.. اي ان الهم سيلازمنا ملازمة الشارب لوجه الشاب، فنحن لم نختر هذه الطريق بل وجدنا انفسنا عليها، وليس ترفا اننا محكومون بمواصلة الطريق، ومن حسن الطالع اننا لم نقدم استقالتنا، بل نحن ذاهبون الى ما يجب الذهاب اليه والانخراط فيه.. فالامور هكذا: لا مزايدة ولا مناقصة، بل اعادة انتاج لمقولة شاعرنا المرحوم سميح القاسم: أبدا على هذي الطريق.. واننا، ان شاء الله، ماضون ابدا على هذي الطريق، والا فإن أبا عمار، رحمه الله، سيداعبنا من جديد قائلا ان على من يتعب ان يسلم الراية لأولاده، اما نحن - من ابتلينا بأرق الكتابة - فلن نتخلى عن حبرنا الاخضر والاحمر حتى يتبين الخيط الاسود من الخيط الابيض، و.. ابدا على هذي الطريق. ولنراهن على ان يبقى حبرنا الاخضر اخضر، فليس امرا سهلا ان تكون وتبقى فلسطينيا!!

 

ha

إقرأ أيضاً

الأكثر زيارة

Developed by MONGID | Software House جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2026