اتصل بنا

الآن

الانتخابات التشريعية

د.دلال عريقات
سواء طُرحت الانتخابات التشريعية بوصفها مطلباً دولياً، أم شرطاً للإصلاح وتجديد المؤسسات، فإنها في المحصلة تخدم الشعب الفلسطيني أولاً. فهي ليست استجابة لضغوط خارجية، بل حاجة وطنية وحق أصيل، لأن الشعب هو مصدر السلطات، وصناديق الاقتراع هي المرجعية الأولى لأي نظام سياسي شرعي.
قد لا تأتي الانتخابات دائماً بأفضل النتائج، وقد تُنتج توازنات أو تحالفات لا ترضي الجميع؛ لكن جوهر الديمقراطية لا يكمن في ضمان نتيجة مسبقة، بل في ضمان استمرار العملية الانتخابية ودوران عجلة الديمقراطية وانتظامها. المطلوب أن يتمكن المواطن الفلسطيني من اختيار مَن يمثله، ومساءلته ومحاسبته وتغييره بصورة سلمية وقانونية كل أربع سنوات. فالانتخابات ليست حدثاً استثنائياً يُعقد مرة واحدة، بل مسار سياسي وثقافة مؤسسية تحفظ حق الشعب في تقرير شكل نظامه وقيادته.
إسرائيل لا تريد انتخابات فلسطينية. فهي تسعى إلى تقويض أي تمثيل رسمي لنظام سياسي فلسطيني، وإضعاف الإدارة العامة والسلطة الوطنية، حتى تروّج أمام العالم أن الفلسطينيين غير قادرين على حكم أنفسهم وإدارة شؤونهم. كما أن غياب الانتخابات يخدم سياسة فرض الحقائق والإملاءات على الأرض، ويُبقي الساحة الفلسطينية مفتوحة أمام ترتيبات تُصاغ من الخارج، قد تبدأ بلجنة لإدارة غزة، ثم تمتد إلى الضفة الغربية، أو تقود إلى هيئات تُشكّل بالتعيين وفق إرادات دولية لا تعبّر عن إرادة الفلسطينيين.
من هنا، تشكل انتخابات المجلس التشريعي "نقطة نظام" ضرورية في أي حديث جاد عن مستقبل النظام السياسي الفلسطيني. صحيح أن احتمال التأجيل يبقى قائماً بسبب العدوان على غزة، وتعقيدات إجراء الانتخابات في القدس الشرقية، والقيود الإسرائيلية في الضفة الغربية، إلا أن صعوبة الظروف لا تلغي ضرورة التوجه نحو الانتخابات، بل تجعلها أكثر إلحاحاً.
إن تأجيل الانتخابات من دون أفق زمني واضح سيُضعف ثقة المواطن بالنظام السياسي أكثر، وسيمنح المجتمعين الدولي والعربي ذريعة لفرض بدائل عن الشرعية الفلسطينية المنتخبة. كما قد يقود إلى تشكيل مجلس وطني قائم على المحاصصة، تتقاسم فيه فصائل منظمة التحرير المقاعد والنفوذ بعيداً عن التمثيل الحقيقي والنزيه للرأي العام الفلسطيني.
وبغض النظر عن النتائج أو التحالفات التي قد تنتجها صناديق الاقتراع، تبقى الانتخابات صمّام الأمان الوطني؛ لأنها الأداة الوحيدة التي يمتلك فيها الشعب قراره مباشرة. أما الاشتباك مع الاحتلال من أجل إجرائها، ولا سيما في القدس، فهو ليس سبباً لإلغائها، بل جزء من النضال الوطني ومسيرة التحرر وحماية حق الفلسطينيين في السيادة وتقرير المصير.
ويجب أن يبدأ الطريق إلى الانتخابات بتعزيز الوحدة الوطنية، فتحاوياً وفلسطينياً، والاستناد إلى المبادرات الوحدوية، وفي مقدمتها مبادرة القائد الأسير مروان البرغوثي، بما يعيد بناء الثقة ويهيئ لعملية انتخابية جامعة. الانتخابات ليست ضماناً للكمال، لكنها ضمانة للتجديد والمحاسبة والتغيير السلمي. وفي هذه المرحلة المصيرية، يصبح الاحتكام إلى الشعب ضرورة وطنية، لا ترفاً سياسياً ولا استحقاقاً قابلاً للتأجيل المفتوح.
الاحتلال قيد حقيقي على الديمقراطية، لكنه لا ينبغي أن يصبح مبرراً لتعليقها إلى أجل غير مسمى. وإنْ تم التأجيل فهذا لا يلغي أن الانتخابات والمشاركة السياسية حق محفوظ للشعب، ولا بد من استحقاقه بعد ٢٠ عاماً من تغييبه.
لجنة الانتخابات المركزية هي صاحبة الولاية القانونية في القرار حسب المعطيات، وإنْ كان قرار التأجيل هو الأرجح فعسى أن يأتي مع الإعلان عن موعد محدد جديد وتزامُن ما بين عقد الانتخابات التشريعية والرئاسية، وأن يكون التعليل ليس العقبات الإسرائيلية، بل بقرار فلسطيني موحد وجامع حول بدء عملية حوار وطني جاد تحضيراً للانتخابات الشاملة.  

re

إقرأ أيضاً

الأكثر زيارة

Developed by MONGID | Software House جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2026