السفير الكركي يؤكد عمق العلاقات الثنائية الفلسطينية الكردية    أسير محرر من نحالين يروي تعرضه للتعذيب والتجويع في سجون الاحتلال    الرئيس يوجه بتقديم منح دراسية للأوائل في الثانوية العامة    إصابة مواطن برصاص الاحتلال في بيتا    الرئيس يكرم جهاز الشرطة لحصوله على جوائز دولية مرموقة    الاحتلال يغلق محلات تجارية في بيت فوريك    فتوح: الاحتلال يواصل حرب الإبادة والتهجير تحت غطاء الإفلات من العقاب    لقاء لبناني فلسطيني يبحث سبل تعزيز وتطوير العلاقات الفلسطينية-اللبنانية    كندا تندد بعنف المستعمرين في الضفة وتطالب بوقف توسيع المستعمرات الإسرائيلية    الانتخابات المركزية تدعو غير المسجلين للمبادرة بالتسجيل للانتخابات التشريعية    نادي الأسير: طفل معتقل يخضع لعملية قلب مفتوح وأسير جريح يفقد قدمه جراء الإهمال الطبي    شهيدان و10 إصابات جراء قصف للاحتلال على وسط وشمال قطاع غزة    الاحتلال يحتجز عشرات المواطنين وينكل بهم ويفرض حظر التجول في بيت أمر    الاحتلال يحول 4 منازل إلى ثكنات عسكرية في تل جنوب غرب نابلس    الاحتلال يقيم بؤرة استعمارية جديدة على أراضي فقوعة شمال شرق جنين  

الاحتلال يقيم بؤرة استعمارية جديدة على أراضي فقوعة شمال شرق جنين

الآن

كم هي حزينة هذه الجغرافيا - خيري منصور


كأنّ التصحّر وزحف غابات الحديد والأسمنت على الأراضي الزراعية في العالم العربي لم يعد كافياً، لهذا كان لابد لِتدخل الأزمات والحروب الداخلية للإجهاز على ما تبقى من اللون الأخضر: فالعراق فقد من عدد أشجار النخيل عشرات الملايين خلال حروب ثلاث، فأخلى السَّعف المكان لما تبقى من قصب الأهوار الذي تحول إلى نايات لا تكفّ عن الأنين .
وفي فلسطين رأى المحتل في شجرة الزيتون عدوّاً تاريخياً يذكّره بأنه طارئ، لأن عمر هذه الشجرة أضعاف مضاعفة  لعمر الاحتلال منذ بدأ، وكذلك الأمر في لبنان الذي بكى فيه الأرز لفرط ما رأى وسمع، وكما قال شاعر لبناني جريح، فقد مشى الشجر في جنائز البشر، ومنه الذي انتحر .
آخر محاصيل الأزمة الطاحنة في سوريا هي تحويل مساحات شاسعة من الأرض المزروعة بالزيتون إلى ما يشبه المقبرة، لأن الفلاحين ذبحوا الأشجار كي يتدفأوا في شتاء بالغ القسوة، وما تبقى من تلك الأشجار هو جذوع تشبه شواهد القبور .
أما البلدان التي كانت تسمى سلة الغذاء للعرب كلّهم، فقد امتلأت دكاكينها وأسواقها منذ عقود عدة بالمنتجات الآسيوية، وهناك فيلم عربي كوميدي عنوانه “فول الصين العظيم”، لأن العَظَمَة الآن للفول والحمص والقمح وليست للقلاع والأسوار، ومن يقرأ الإحصاءات الدقيقة عن زحف التصحّر في عالمنا العربي يصاب بالذعر، وكذلك من يعرف منابع الأنهار في هذا العالم المهدد بالظمأ، فمنابع الأنهار من خارج الوطن العربي، لهذا فالماء مهدد بالسدود والتوترات السياسية والحروب، إضافة إلى ما سُرقَ وتم تحويل مجراه من هذه الأنهار التي تحول بعضها إلى ما يشبه السواقي .
والشام التي سميت ذات يوم مدينة الأنهار السبعة، هددها الظمأ، ورثى الراحل محمد الماغوط بردى بقصيدة توجع القلب وتشقق الشفاه .
وحين شاهدنا ما تبقى من جذوع الزيتون المذبوح في ريف الشام أصابتنا قشعريرة تشبه تلك التي تصيب من يشاهد قبراً جماعياً، وهكذا شمل الانتحار آثاراً وقلاعاً تاريخية وحقولاً وأخيراً شجر الزيتون . فهل من المعقول أن تذبح شجرة من أجل حفنة رماد أو ما يكفي لطبخ وجبة أو اثنتين، أو ليتدفأ عليها أطفال يوماً أو يومين؟
كان العربي في الماضي يجوع ولا يذبح العنزة التي يحلبها، لكنه عندما اضطر ذات يوم، ذبح فرسه، وكان ذلك بسبب فائض الكرم وليس بسبب فائض المجاعة .
كم هي حزينة هذه الجغرافيا المشحونة بالقداسة حتى النّخاع، فالسكين يتنقّل بحرية بين عنق الإنسان وعنق الشجرة، والخوذة الحجرية التي ترتديها قلعة شيّدت لمقاومة الأعداء وليس لقتل الأبناء .
إنه فصل رمادي، اختلط فيه رماد الكتب والمخطوطات برماد البشر والزيتون .

 

za

إقرأ أيضاً

الأكثر زيارة

Developed by MONGID | Software House جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2026