إصابات جراء قصف الاحتلال خيمة للنازحين غرب مدينة غزة    مركزية "فتح" تبحث الوضع السياسي والداخلي وتوزيع المفوضيات    الرئيس يبعث رسائل لقداسة البابا ليو الرابع عشر و العاهل الأردني حول خطورة الاستهداف الإسرائيلي لكنائس القدس الشرقية المحتلة    الكاتب توفيق أبو جراد: من حق المواطنين في غزة المطالبة بحقوقهم ولا بديل عن السلطة الوطنية    الغول: "حماس" تريد البقاء في السلطة حتى لو كان ذلك على حساب عظام وجثث أبناء شعبنا    الزق: الحراك الشعبي بغزة يعكس أصواتا شجاعة لإنهاء الأزمة وعلى "حماس" تسليم ملف المفاوضات للسلطة    أكثر من 34 ألف مسافر تنقلوا عبر معبر الكرامة الأسبوع الماضي    تقرير: سلطات الاحتلال تدفع بمشاريع استيطانية جديدة تغيّر الواقع في شمال الضفة    إصابة شاب بجروح في الوجه وحالات اختناق خلال اقتحام الاحتلال حفل زفاف في حزما    الخليل: الاحتلال يعتقل مواطنين من يطا ومستعمرون يهاجمون منزلا في سعير    مستعمرون يرعون أغنامهم في أرض زراعية بقرية المغير شرق رام الله    قوات الاحتلال تقتحم قرية تياسير شرق طوباس وتداهم منازل للمواطنين    الاحتلال يغلق عددا من مداخل شمال غرب رام الله    فتوح: بدء التحضيرات لاستكمال انتخاب أعضاء المجلس الوطني في دول الشتات    الاحتلال يمنع مزارعين من حصاد أراضيهم في سالم شرق نابلس  

الاحتلال يمنع مزارعين من حصاد أراضيهم في سالم شرق نابلس

الآن

جنة اسمها حيفا- احمد دحبور


كنت اظن ان ارتباط اسم حيفا بالجنة، هو امر خاص بي انشأته لحظة معاينتي الاولى لهذه المدينة عام 1995، بعد ان رسمتها امي في خيالي فردوسا مفقودا طوال سنوات النكبة، وكانوا يقولون في الامثال: المفقود معبود.. الا انني بعد ان رأيتها وتمليتها ثانية او ثالثة.. او الله اعلم بعدد المرات التي اتيحت لي، ترسخت هذه الحقيقة التي دعمها عندي كل من عرف هذه المدينة الساحلية الجبلية، ولم لا اقول مدينتي؟ ومدينتي جنة اسمها حيفا.. ولا شك ان البلاد حتى تتحد بالجينات والمشاعر والذاكرة الموروثة، تخرج من حيزها الفيزيائي الجغرافي المحدد، فيراها صاحب العلاقة بعين القلب ويرتبها في مصاف الروح..
لقد خرجت، او خرج بي اهلي من حيفا، يوم بلغت عامي الثاني من العمر، وبدل ان يشعلوا لي شمعتين ويسعدوني بعيد ميلادي، فانهم وضعوني على خرج حمار، فكنت في عين منه واختي الرضيعة في العين الثانية، ولما كنت اثقل وزنا من اختي، فقد جيء ببطيخة خضراء، حسب رواية الام، لتشكل الى جانب اختي مريم سندا، فلا يختل التوازن، ومنذ ذلك اليوم، الاربعاء، الحادي والعشرين من نيسان للعام ثمانية واربعين، بدأ عهد التيه والهجرة في رحلة لم تنته حتى الآن، من بنت جبيل في لبنان، الى عين زاط في سورية. الى المخيم - الثكنة الذي اعد خصيصا للاجئين الفلسطينيين في حمص، الى سلسلة البلاد التي سأمر بها، واقيم في بعضها احيانا، وصولا الى غزة عام 1995، واطلقت عليها حينذاك: الجزء المتاح لنا من الوطن، الا ان تلك التسمية لم تقتصر على غزة. فقد اطلقتها كذلك على رام الله التي اقيم فيها منذ سنة او تزيد قليلا..
اما حيفا.. فظلت عيناي ترنوان اليها. وقد ازورها عابرا بتصريح قصير الاجل، فأعتب على أمي لانها توفيت قبل ان ارى حيفا، وافرحها بأنني سبقتها الى حيفا، لكن الغصة امسكت بروحي بعد انتهاء اللقاء الاول، ووجدتني اكتب قصيدة واختمها بهذا البوح:
حسرتها عليّ ام يا حسرتي عليها
 وصلتها ولم اعد اليها
 وبعد اشهر كتب شاعر كبير: «وصلت ولكنني لم اعد» وليست تلك منافسة على براءة الصرخة، بل هي معاناتنا جميعا، نحن الذين وصلنا بعد انتظار، لنعود بعد ذلك الى حسرة الحنين واستعادة المنفى..
اما حيفا، فهي كما صورتها امي في خيالي، ذات جبل اسمه الكرمل يتعدد ويتمدد حتى لتراه في كل ركن من المدينة، وذات شاطئ متقوس حتى لتحار في الوصف، أهو رأس أم خليج.. اما الهواء والمعالم والحياة فليس الا تأكيدا لمعنى الفردوس المفقود.
تلك حيفا الام التي تعني كل شيء جميل بعيد الى ان سمعت شرحا وافيا لشخصية هذه المدينة الساحرة من الشاعر الراحل محمود درويش، الذي غادر المدينة رجلا ناضجا، فكان قادرا على تقديم صورة المدينة بأبهى ما تستحق، مشيرا الى ما كان يدعوه رحمه الله بالرقصة المثيرة بين الجبل والبحر، اي الرقصة التي تنتج اجمل مدينة في الدنيا.
حتى اذا رأيت وتمليت ادهشني صدق خيال امي ودقة جماليات محمود، فهذه حيفا لا سواها، حيفا التي لا تتكرر حيفا الماثلة في الوجدان والروح.. ولكنها على المستوى الاجرائي، مجرد مدينتي السابقة التي تمنيت لحظة وانا فيها، ان تدركني المنية، فأكون - كما انني من مواليدها - احد الراحلين اليها وفيها..
في زيارتي الاولى، توقفت طويلا امام البيت الذي ولدت فيه، كان ثمة خمس شجرات كينا في حوش الدار، وان كانت الخامسة قد اجتثت فظلت بقية منها تدل عليها، وكان هناك فرن ابي انطون لا يزال صامدا يقدم الخبز والكعك، والى ذلك ثمة احد المعالم التي اوصيت بأن اراها، وهو دكان جارنا ابي جورج، الحلاق كامل الشلبي.. وقد تعرف علي رحمه الله بعد ان حككت ذاكرته الهرمة وقادني اليه ابنه ميشيل..
اما الآن فقد كان للزمن سطوته، لا اثر للكينا، ولا وجود لابي جورج، والسور القصير الذي يحرس الدار، تهشم حتى كاد يختفي.. ان خمسا وستين سنة ليست شيئا في عمر التاريخ، لكنها تعني الكثير الكثير للانسان المفرد اللاجئ.
لقد بذلت الاخت الفاضلة الحيفاوية، المحامية نائلة عطية جهودا غير عادية وهي تشرح لي معالم المكان الدارسة، ولعلها تسللت الى جذر الدمعة المتيبسة في حدقتي، فراحت تكابر وتحملني على المكابرة: حيفا جميلة كالجنة، اليست كذلك؟
 انها كذلك يا نائلة، ولا املك اذ اغادرها الا ان اتزود بصورتها زادا لذاكرتي.. وسأظل احفظ واحتفظ بحقيقة ان هذه جنة اسمها حيفا..

 
 

za

إقرأ أيضاً

الأكثر زيارة

Developed by MONGID | Software House جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2026