الإسلاموية "براقش"!- عدلي صادق
أوصلت جماعة "الإخوان" في مصر نفسها، الى مصيبة لا يتمناها لها أعتى أعدائها. فالحماقة بدت وقد أعيت من يداويها. وليس شيئاً، أعمى بصرها، سوى التعلق بالحكم والتمكين. فهذا دون سواه، هو الذي جعلها تفقد بقايا تعاطف يؤسسه الساذجون على فرضية المظلومية الجديدة، المختزلة في إزاحة "رئيس منتخب". كانت طريقتها في إحباط الإزاحة، مستفزة للمجتمع. وبدل أن تناور، وتقبل الرهان الانتخابي، وتأخذ العبرة وتتهيأ لجولة جديدة، سياسية وديموقراطية، بكفاءة أعلى؛ زادت الطين بِلة، عندما تطوع البلتاجي بالإعلان عن الترابط الشرطي، بين جماعته والقتلة في سيناء. كانت الجماعة ستربح قليلاً، لو أنها ناورت سياسياً من موقع الوعي بقوة الدولة، وأعلنت عن استنكارها لاستهداف جنود وضباط بلدها، في منطقة خضعت للاحتلال الإسرائيلي لربع القرن، دون أن تكون هناك سوى المقاومة التي نظمتها الأجهزة المصرية، عندما شكلت "منظمة سيناء العربية". فالنبتة الشيطانية المسمومة، التي تعيث الآن فساداً في سيناء، ظهرت لكي تقاتل الدولة التي قاومت، ثم شنت الحرب الشاملة، واستردت الأرض. ولدى "الجماعة" صيغتها الفقهية، التي لطالما استخدمتها، للتمييز بينها وبين السلفية الجهادية، كلما كان الأمر يتعلق برغبتها في الانخراط في عملية سياسية وإرضاء الغرب. لكنها ــ للأسف ــ تناست تلك الصيغة وزادت فقلصت الفجوة، على صعيدي الرؤية والحركة، بينها وبين تلك السلفية، وأعلنت "الجماعة" بالنطق وبالصمت، عن كون مقاتلة الدولة في سيناء، يمثل المدد المتاح لها، والمعطوف على فوضاها وتظاهراتها المسلحة، والذي تظنه غانماً!
الآن، في مصر، لا يرضى المواطنون بأقل من حسم أمر الجماعة كـ "تنظيم إرهابي". فالمقامرة الحمقاء، أرسلت النعوش للمصريين، على النحو الذي لا مصالحة بعده ولا مستقبل لـ "الإخوان" في بلد التأسيس!
الشريحة المتنفذة في "الجماعة" من دارسي الطب والهندسة، يتسمون بضحالة سياسية مذهلة وجهل بالتاريخ. هم، مثلما قلنا في موضع آخر، من جيل السبعينيات والثمانينيات، الذين لُقنوا برواية "الإخوان" عن ماضيهم، ولم يبحثوا ولم يقرأوا حتى مذكرات أقطاب "الجماعة" الأسبقين، لكي يتأملوا ويتعظوا. ولكونهم أيضاً غير ذي اختصاص في العلم العسكري والأمني؛ فقد توهموا أن ما نثروه في أرجاء البلاد، من سلاح خفيف ومتفجرات وبنادق صيد وزجاجات مولوتوف، سيهزمون به القوات المسلحة المصرية والأجهزة الأمنية. من كان منهم، يحس بأن لدى الدولة فائض قوة، استأنس بالتعاطف الأمريكي وبالغرب وبتاريخ من الصداقة المسكوت عنها لدواعي الاستعانة على قضاء الحوائج بالكتمان. غير أن الأمريكيين والغرب، لن يعطوا "الإخوان" ما أعطوه لهم في الخمسينيات، عندما كانوا في موقع المواجهة مع حركة التحرر العربية القومية. الغرب يريد "الجماعة" لهدف محدد، مع التسليم بحقيقة أن كلا الطرفين، جماعة "الإخوان" والأمريكيين مع البريطانيين، يكرهون ثقافة بعضهم بعضاً على قاعدة لا ضرر ولا ضرار. فكراهية الثقافة، لا تُفسد للتعاون قضية. وها هم الأمريكيون والبريطانيون، يخوزقون "الإخوان" بمجافاة مصر وبموقفهم مع "الجماعة" ضد إرادة الشعب المصري، وبالإعراب عن ألمهم على مصير "الإخوان" على النحو الذي لم يعلنوا مثله، بعد ثلاث سنوات من احتراق سوريا وأهلها.
بالأمس كان هنية يتحدث في مجلسه التشريعي غير الأوسلوي. عرض موقفه بشكل قاصر، وبايع بديع من جديد. ولا معنى ولا قيمه، لما قاله سوى أنه يُغذي الظنون في تواطؤ "حماس" مع "الإخوان" وهذا ما ندحضه ولا نقر به. نحن نفترض أن الفلسطيني، مضطر للنظر الى المسائل من مختلف الزوايا، لأنه صاحب قضية، يتوخى مؤازرة كل أطياف الشعب الشقيق. فعندما يتجاهل فلسطيني، مشاعر الغالبية العظمى من أبناء الشعب المصري، التي فُجعت بإعدام المجرمين المشبوهين في سيناء للجنود البسطاء؛ يكون أساء لفلسطين ولقضيتها في وجدان الشعب المصري. لو أن هنيّة ومن معه، استنكروا الجريمة، لأضعفوا زخم استهدافهم في الإعلام المصري. كان بمقدورهم إشهار الصيغة الفقهية التي تجمع بين حكم القتل في الشريعة، والتأكيد على الفارق بين رؤيتهم للعمل الإسلامي ورؤية السلفية الجهادية. فلا الحمساويين فعلوا، ولا "الإخوان" المصريين نطقوا، ما جعلهم في سياق معالجات الدولة للهجمة الضارية عليها، مشاركين في الجرائم!
هناك مشكلة أخرى، تتعلق بالكذب. كأنها مدرسة للكذب، باتت ذات "تراث" يريدونه أن يصبح فقهاً. الطريف، أن ممارسة الكذب، في وعيهم، أصبح من الحلال البيّن، ومما يخدم "الدعوة" على قاعدة أن المكذوب عليهم، ليسوا إلا زنادقة وهؤلاء هم كل من لا ينتمي اليهم، بصرف النظر عن صحيح دينه. والمتخرجون من مدرستهم، حتى لو انشقوا عليهم ووصلوا الى برّنا؛ يلاحظ واحدنا أنهم كذابون بارعون، يضحكون على ذقن من يستمع اليهم!
ثمة، عندهم، للكذابين، ثلاث مراتب: كذاب، وكويذب وذيل كاذب. ويا ويل من لا يشد براغي عربته، ومن يفتح في جداره الثغرات، مثلما كان حال الحركات الوطنية والقومية والديموقراطية. يجري الكذب عليها وعلى شرفها وعلى تاريخها ورموزها واخيارها وثقافتها وعاطفتها، مثلما يجري الماء في المنحدر، رقراقاً يُغري بالشُرب. وهذا خارج موضوعنا، كونه لا يتصل بخط الأنباء في هذه اللحظة!
أحياناً، محسوبكم يضحك كلما سمع كويذباً، أو ذيل كاذب؛ يرتجل الكلام في وجهة اللامعقول، مثل ذلك الفتى الناطق، من "حماس" الذي اتهم "فتح" بأنها هي التي حرضت السلطات المصرية على "الجماعة" في محاولة كاريكاتورية، لأخذ عقول واذهان الناس، بعيداً عن حقيقة أن "الجماعة" بحماقتها وعنفها وبجهلها السياسي، وبأفعالها الرديئة، وبتعجلها لرزقها؛ هي التي حرضت الدولة على نفسها وخوزقت جمعها. فهي الإسلاموية "براقش" التي جنت على نفسها، ولن يسعفها أحد!
adlishaban@hotmail.com