الأحمد يلتقي القنصل العام البريطاني لدى فلسطين    "هيئة الأسرى": الأسير فادي أبو عطية تعرض لتعذيب وحشي أثناء اعتقاله    سلسلة غارات للاحتلال تستهدف مناطق متفرقة في لبنان    رام الله: قوى الأمن تحبط محاولة سطو مسلح على محل صرافة وتقبض على 4 متهمين    أبو الغيط: جميع الأطروحات التي تسعى للالتفاف على حل الدولتين أو ظلم الشعب الفلسطيني ستطيل أمد الصراع وتعمق الكراهية    قوات الاحتلال تغلق حاجز الكونتينر شمال شرق بيت لحم    الاحتلال يواصل عدوانه على مدينة ومخيم جنين لليوم الـ34    لليوم الـ28: الاحتلال يواصل عدوانه على مدينة طولكرم ومخيميها    الاحتلال يقتحم قباطية ويجرف شوارع ويدمر البنية التحتية    الطقس: فرصة ضعيفة لسقوط الامطار وزخات خفيفة من الثلج على المرتفعات    الاحتلال يؤجل الافراج عن الدفعة السابعة من المعتقلين ضمن اتفاق وقف إطلاق النار    شهر من العدوان الاسرائيلي على مدينة ومخيم جنين    الاحتلال يواصل عدوانه على طولكرم وسط اعتقالات وتدمير واسع للبنية التحتية    الرئيس يصدر قرارا بتعيين رائد أبو الحمص رئيسا لهيئة شؤون الاسرى والمحررين    معتقل من يعبد يدخل عامه الـ23 في سجون الاحتلال  

معتقل من يعبد يدخل عامه الـ23 في سجون الاحتلال

الآن

"إذا معك فراطة!"- احمد جميل عزم

كتبتُ الجمعة الماضية عن الأسير الإداري عبدالرازق فرّاج، الذي قضى أكثر من 2800 يوم في الاعتقالات الإدارية، عدا سنوات الأحكام الأخرى. والآن عبدالرازق في المستشفى، بعد قرابة شهر من الإضراب عن الطعام. وهناك أسرى آخرون أيضاً في حالة حرجة الآن.
في العام 2011، لم يكن عبدالرازق في المعتقل. يومها قال عن إضراب الأسرى عن الطعام: "من لم يجرب تلك المعركة لا يعي بالملموس معنى أن لا تدخل أمعاءه ومعدته سوى قطرات مياه طيلة 14 يوما، لم يتمكن السجان من مصادرتها، مترافقة مع تنكيل وقمع وتنقلات وعزل، بما يحمله ذلك من آلام ومعاناة لا نظير لها، ويصعب وصفها، ولا يقوى على تحملها سوى أولئك الذين تفلوذت (من فولاذ) إراداتهم".
أرسل الأسير وليد أبو دقة (ميلاد) رسالة من معتقله الذي دخله العام 1986، يصف فيها حوارا مع أسير يكبره سناً: "عَتِقَ في أقبية السجن.. يتلهى بحرية تأبى أن تأتي، فيحلم في الآونة الأخيرة بأحلام يقظة". يُخاطب هذا الأسير ميلاد: "أتعرف ما أكثر ما أشتاق له في الخارج؟ أو حتى يمكن أن يبكيني شوقاً؟ أن يَسأَلني أحدهم مثلا سؤالا في أمر عادي جداً، أن يوقفني أحدهم ويسألني مثلا "معك فراطة؟". ويتابع: ليس مهماً أن يكون معي فراطة أو لا يكون، المهم أن يسألني "من زمان ما حدا سألني إذا معي فراطة".
جاء "ميلاد" من قرية "باقة"، في أراضي الاحتلال الأول (1948). ويعلّق: "رفيقي يحلم بالفراطة بعد أن فرط عمره، لأيام وأشهر وسنين، موزعة على السجون من نفحة جنوباً حتى شطة شمالاً. ورفيقي هذا قليلا ما يتكلم.. حديثه القليل معتق كجسده وروحه، تكفي كلمات قليلة ليثير مخيلتك وينقلك إلى عوالم أخرى، كنبيذ بجودة عالية؛ رشفة واحدة تكفي لحديث طويل ومعمق".
تقول الأسيرة المحررة رلى أبو دحو، في لقاء تلفزيوني: "ألم أقل لكم إن الضحك كان يؤلم الأسرى المضربين عن الطّعام؟ ومع ذلك كنا نضحك لنقهر السجان".
في قصة كتبها وزير شؤون الأسرى الفلسطيني عيسى قراقع، نقلا عن الأسير المحرر نزار التميمي، أنّ نزار عندما أُدخل المعتقل، وعلى جريان العادة، أودعت متعلقاته الشخصية في كيس بقي عند إدارات المعتقلات. وعندما خرج العام 2012 بعد تسعة عشر عاما من الاعتقال، أعيد له الكيس المحكم الإغلاق، وكان نسي بعض تفاصيل ما فيه، أو كاد. وكما يقول الأسير المحرر قراقع: كان "هناك شيء صلب في داخله. تفاجأ نزار أن الذي يوجد في داخل الكيس هي ساعته التي كانت على معصمه ليلة اعتقاله. وعندما أمسكها بيده ذابت الساعة وتناثرت غبارا، وكأنها أعلنت وفاتها بعد صبر وصمود طويل".
في موت الساعة كثير من الرموز، مثل حديث "انفراط العمر". وفي الأسر الإسرائيلي معانٍ كثيرة، لا متسع لنقاشها. ما يقتله الأسر، وما يريد قتله، وما يعجز عن قتله، أمور كثيرة يكتبها الأسرى ويخبروننا بها.
الأسرى رغم كل خيبة أملهم لا ييأسون منّا؛ نحن الجالسين في الخارج، ويناشدوننا التحرك.
قصص الأسرى لا تقل عُمقاً عن قصص فلسطينية أخرى جرت قبل آلاف السنين؛ قصص أشخاص ماتوا وعادوا للحياة. خيالاتهم، وطموحاتهم، وأوراحهم. مادةٌ تلمس أعمق ما في النفس الإنسانية، خصوصاً لأولئك الذين قرروا الثورة على كل استسلام.
من في الخارج لم ينسوا من في الداخل حقاً. الشهيدان، الفتى نديم نوارة ومحمد أبو ظاهر، منتصف هذا الشهر، لم يستشهدا إلا أمام معتقل عوفر، ونديم ومحمد ولدا بعد أن اعتقل ميلاد ورفاقه.
من في الداخل يتابعون درب من سبقهم، وهناك من سيلحقهم. والسؤال: كيف تتوقف العملية؟ كيف يُجمع العقد المُنفرط؟ كيف يتوقف انفراط الأعمار.. وتبخر الساعات؟
الحركة الوطنية الفلسطينية، كما يجسّدها نزار، وعبدالرازق، ونديم، ومحمد أبو ظاهر، وميلاد ورفيقه، تنبض كالعادة. هذه القصص الصغيرة جدا، مهمة كثيراً، تعكس خصوبة الأرض ومدى عظمة الشعب واستعداده للتضحية. ولكنها تريد حركة سياسية وشعبية بنفس قوامها وعظمتها، تَجمَعُها لتتماسك وتحقق الإنجاز، حتى لا تتبخر ساعات نزار وغيره.

za

إقرأ أيضاً

الأكثر زيارة

Developed by MONGID | Software House جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2025