فتوح: بدء التحضيرات لاستكمال انتخاب أعضاء المجلس الوطني في دول الشتات    الاحتلال يمنع مزارعين من حصاد أراضيهم في سالم شرق نابلس    محافظ الخليل: أعمال لجنة الإعمار والترميم في البلدة القديمة تعزز صمود المواطنين وتحسن ظروفهم    دائرة شؤون القدس: الاحتلال يوظف الهدم لإعادة هندسة الواقع الديمغرافي في القدس    الرئيس يتسلّم التقرير السنوي للنيابة العامة لعام 2025    73,035 شهيدا و173,368 مصابا في قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول 2023    في ثاني استهداف لمركبة خلال ساعتين: استشهاد مسعف وإصابة آخرين في قصف الاحتلال مركبة غرب خان يونس    بعد هدم منزل وبناية سكنية: إصابة برصاص الاحتلال في كفر عقب شمال القدس    الاحتلال يقتحم أرض بطريركية الروم الأرثوذكس في سلوان    باكو: وفد من المجلس الوطني يشارك في مؤتمر اتحاد مجالس الدول الأعضاء بمنظمة التعاون الإسلامي    استشهاد فتاة وإصابة آخرين في قصف الاحتلال وسط مدينة غزة    محافظة القدس: دعوى استعمارية بمليون ونصف شيقل ضد عائلة الرجبي في بلدة سلوان بمدينة القدس    الاحتلال يصعد عدوانه في الضفة وغزة: 3 شهداء بينهم طالبة وهدم منازل في القدس وبيت لحم    الدولار على استقرار مع انتهاء الجولة الأولى من المحادثات الأميركية- الإيرانية    قطر تعلن عن 18 مفقودا و54 مصابا جراء الانفجار برأس لفان  

قطر تعلن عن 18 مفقودا و54 مصابا جراء الانفجار برأس لفان

الآن

في باب الخَلْق - عدلي صادق


كان نهار القاهرة حاراً في يوم الخميس المنصرم. في هذه الأثناء، يسهل على واحدنا التنصل من واجبات المجاملة ومن لقاءات يرغب في تلبيتها. لكن طلب أختي "أم محمد" زوجة صديقي وزميل السجن، الذي رحل عن الدنيا ووري الثرى في النمسا؛ لا يمكن التنصل منه. هو استثنائي ولا يخطر على البال، لكنه لا يُرد: شاهدُ قبر، باللغة العربية، محفورة كلماته على لوحة رخامية، يُصار الى تثبيتها على رأس الضريح.
بدأتُ رحلة البحث عن متخصصين في صنع لوحات القبور، من ميدان "العتبة" الذي لا أجافيه ولا أجافي فيه صديقي النظاراتي السلفي. فقد نشأ الميدان نابضاً وكبيراً، عندما رسم خارطته المعماري الفرنسي "هوسمان" نفسه الذي خطط شارع الشانزيليزيه الباريسي، فجعله مركزاً أبدياً للمدينة، تُقاس منه المسافات من القاهرة واليها. 
توجهت الى الزاوية الجنوبية لمبنى "لوكاندة البرلمان" القديمة، التي أُغلقت وتحوّلت أجناب مبناها الضخم، الى صفوف من أكشاك لباعة الأختام والنظارات واللوحات الصغيرة المتنوعة والحقائب، بينما تحولت طوابق الغرف الى مخازن للبضائع. الناس هنا كأنهم في قيامة، وزاوية المبنى التي قصدتها، تقع على الطرف الغربي لشارع "محمد علي" الذي يطل على الميدان. مشهد الشارع، يجسد حال انقلاب الزمان على الزمان. ففي عز أيام "محمد علي" كانت ثمة تجليات صاخبة لفنون الطرب الرفيع والطرب الرخيص. وبين علب الليل، كانت تقوم ورش صناعة الآلات الشرقية. أراد "هوسمان" جعله شبيهاً في معماره بشارع "ريفولي" في العاصمة الفرنسية. خيط من البشر ومن الحياة، ينبض بين شارع عبد العزيز و"باب الخَلق". يبدأ بالدف والعود والطبل، وينتهي بدار الكتب والوثائق الإسلامية. عند الطرفين، كانت تقوم مرجعيتان مُهابتين، واحدة للفن الراقي وأخرى للثقافة الجادة، كأن ناس الشارع، محشورين بين مركزين: "المسرح الخديوي" في الميدان حيثما تكون "الأزبكية"، الذي أصبح اسمه "المسرح القومي للفنون" و"دار الكتب" في نهاية الشارع. اليوم انقلب الحال، فاكتظ الخيط بكل ألوان الحياة والسلع والمعروضات، من الفاكهة الى أسماك نيلية تضربها الشمس، ومقاهٍ رثة، وأثاث وباعة مسامير واسكافية وباعة عطور، وحمالون وعربات نقل صغيرة تنوء بأحمالها وتتزاحم. ثلاثة دكاكين للأدوات الموسيقية صمدت. يستحق واحدهم الذي تقول يافطته "ورشة صناعة أدوات التخت الشرقي" باحثاً يدرس سبب صمود "المعلم" وسط غابة قريبة من محال الهواتف الذكية والكهربائيات، ولكي يتحرى مستوى رزقه أو سر قناعته وثباته على مهنة جده وأبيه.
كيلومتران اثنان، مشيتهما على القدمين، وسط الخَلق، وصولاً الى ميدان "باب الخَلق". فقد دلني بائع اللوحات المعدنية والبلاستيكية الصغرى، على موضع اللوحات الرخامية الكبيرة، ومنها شواهد القبور.
انتهى "محمد علي" بالتقاطع مع شارع "بورسعيد". وعلى الجانب الآخر، في "باب الخَلْق" ينفتح طريق "درب المدبح". هناك تتجاور محال النقش على الرخام بالمطرقة والإزميل. النقاشون هم أنفسهم الخطاطون المحافظون على المهنة رغم غزوة الحاسوب المظفّرة. ولأنني موعود دائماً بالمفارقات، فقد كان مشوار عمل الشاهد الحزين لقبر الصديق، مناسبة سارة غير متوقعة. فالخطاط الذي اخترت، هو حفيد سيّد إبراهيم، عميد الخط العربي (1897 ــ 1994). كان سيّد إحدى قامات عصر النهضة المصرية الأدبية، وصديق العقاد والمازني وعبد الرحمن شكري وسواهم، وهو الذي كتب "بسم الله الرحمن الرحيم" البديعة بخط الثلث، والكثير من الآيات القرآنية التي ما زالت تنقلها دور النشر بخطه تصويراً. أجلسني الرجل على كرسيّه. سألته عن تكلفة الرخامة البيضاء السميكة منقوشة (30 عرض و50 طول) فصدمني بزهد الثمن (ثمانون جنيهاً). كأنما يرأف الخَلْق بالخَلق هنا، واضمرت رفع المبلغ طوعاً، توخياً للاقتراب من العدالة وإن كان دونها. استأذنني مجدي إبراهيم في أن يترك الكتابة بالقصبة، لأحد تلامذته، على أن ينفّذ هو النقش بإزميل صغير، كقصبة معدنية ومطرقة تدق على رأسه بحركة سريعة متصلة، تؤديها يد متفنن في الخطوط. تضاحكنا كثيراً وقال إنه حزين، لأن توارث العائلة لمهنة التفنن في الخط والنقش سينقطع. قال: "لدي ولد وبنتان. الشاب لا يرغب في المهنة". لم تمر جملة دون قفشة. قلت:"يبقى مفيش غير الاستعانة بشجرة الدُر". رمى المطرقة والإزميل وضحك كثيراً وضرب كفاً، كأنه تذكر احدى ابنتيه، ثم قدم اليّ سيجارة "كيلوباترا". سُر كثيراً لاهتمامي بالخط ومعرفتي لأنواعه. وسُر أكثر لإجادتي فيه. فقد أخذتُ القصبة الخشبية المبللة بحبر اسود، من تلميذه الحاج عاطف، وكتبت بالخط النسخي قاصداً التعريف بالراحل:"هنا يرقد المناضل" ثم مختتماً اللوحة بخط الرقعة: "له ثواب الفاتحة".

 

ha

إقرأ أيضاً

الأكثر زيارة

Developed by MONGID | Software House جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2026