مستعمرون ينصبون خياماً على أراضي المواطنين شرق سلفيت والاحتلال يجرف أرضاً قرب دير بلوط    شهيد ومصابون جرّاء قصف الاحتلال مجموعة من المواطنين شمال غزة    الشيخ يبحث مع وزير الخارجية المصري تطورات الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة    لجنة الانتخابات: الدعاية الانتخابية تبدأ في 10 نيسان وأي نشاط قبل ذلك مخالف للقانون    في اليوم الـ17 للحرب: ضربات متبادلة وتصاعد المخاوف من اتساع رقعة الصراع    عائلتان فلسطينيتان ترحلان من خربة سمرة بالأغوار الشمالية بسبب اعتداءات المستعمرين    المفتي يدعو إلى مراقبة هلال شهر شوال بعد غروب شمس الأربعاء    3 إصابات واعتقال مواطن خلال اقتحام الاحتلال نابلس    الشيخ يعزي بشهداء طمون    ثمانية شهداء في استهداف طائرات الاحتلال مركبة على شارع صلاح الدين وسط قطاع غزة    تعقيبا على مجزرة طمون: "فتح" تحذر من خطورة تصعيد الاحتلال ومستعمريه الدموي بحق أبناء شعبنا    جماهير شعبنا تشيع شهداء مجزرة طمون    استشهاد مواطن وزوجته وطفليهما برصاص الاحتلال في طمون    تمهيدا لتفجير منزل أسير: الاحتلال يجبر مواطنين على الإخلاء في دورا جنوب الخليل    استشهاد مواطنة برصاص الاحتلال في مخيم المغازي وسط قطاع غزة  

استشهاد مواطنة برصاص الاحتلال في مخيم المغازي وسط قطاع غزة

الآن

في باب الخَلْق - عدلي صادق


كان نهار القاهرة حاراً في يوم الخميس المنصرم. في هذه الأثناء، يسهل على واحدنا التنصل من واجبات المجاملة ومن لقاءات يرغب في تلبيتها. لكن طلب أختي "أم محمد" زوجة صديقي وزميل السجن، الذي رحل عن الدنيا ووري الثرى في النمسا؛ لا يمكن التنصل منه. هو استثنائي ولا يخطر على البال، لكنه لا يُرد: شاهدُ قبر، باللغة العربية، محفورة كلماته على لوحة رخامية، يُصار الى تثبيتها على رأس الضريح.
بدأتُ رحلة البحث عن متخصصين في صنع لوحات القبور، من ميدان "العتبة" الذي لا أجافيه ولا أجافي فيه صديقي النظاراتي السلفي. فقد نشأ الميدان نابضاً وكبيراً، عندما رسم خارطته المعماري الفرنسي "هوسمان" نفسه الذي خطط شارع الشانزيليزيه الباريسي، فجعله مركزاً أبدياً للمدينة، تُقاس منه المسافات من القاهرة واليها. 
توجهت الى الزاوية الجنوبية لمبنى "لوكاندة البرلمان" القديمة، التي أُغلقت وتحوّلت أجناب مبناها الضخم، الى صفوف من أكشاك لباعة الأختام والنظارات واللوحات الصغيرة المتنوعة والحقائب، بينما تحولت طوابق الغرف الى مخازن للبضائع. الناس هنا كأنهم في قيامة، وزاوية المبنى التي قصدتها، تقع على الطرف الغربي لشارع "محمد علي" الذي يطل على الميدان. مشهد الشارع، يجسد حال انقلاب الزمان على الزمان. ففي عز أيام "محمد علي" كانت ثمة تجليات صاخبة لفنون الطرب الرفيع والطرب الرخيص. وبين علب الليل، كانت تقوم ورش صناعة الآلات الشرقية. أراد "هوسمان" جعله شبيهاً في معماره بشارع "ريفولي" في العاصمة الفرنسية. خيط من البشر ومن الحياة، ينبض بين شارع عبد العزيز و"باب الخَلق". يبدأ بالدف والعود والطبل، وينتهي بدار الكتب والوثائق الإسلامية. عند الطرفين، كانت تقوم مرجعيتان مُهابتين، واحدة للفن الراقي وأخرى للثقافة الجادة، كأن ناس الشارع، محشورين بين مركزين: "المسرح الخديوي" في الميدان حيثما تكون "الأزبكية"، الذي أصبح اسمه "المسرح القومي للفنون" و"دار الكتب" في نهاية الشارع. اليوم انقلب الحال، فاكتظ الخيط بكل ألوان الحياة والسلع والمعروضات، من الفاكهة الى أسماك نيلية تضربها الشمس، ومقاهٍ رثة، وأثاث وباعة مسامير واسكافية وباعة عطور، وحمالون وعربات نقل صغيرة تنوء بأحمالها وتتزاحم. ثلاثة دكاكين للأدوات الموسيقية صمدت. يستحق واحدهم الذي تقول يافطته "ورشة صناعة أدوات التخت الشرقي" باحثاً يدرس سبب صمود "المعلم" وسط غابة قريبة من محال الهواتف الذكية والكهربائيات، ولكي يتحرى مستوى رزقه أو سر قناعته وثباته على مهنة جده وأبيه.
كيلومتران اثنان، مشيتهما على القدمين، وسط الخَلق، وصولاً الى ميدان "باب الخَلق". فقد دلني بائع اللوحات المعدنية والبلاستيكية الصغرى، على موضع اللوحات الرخامية الكبيرة، ومنها شواهد القبور.
انتهى "محمد علي" بالتقاطع مع شارع "بورسعيد". وعلى الجانب الآخر، في "باب الخَلْق" ينفتح طريق "درب المدبح". هناك تتجاور محال النقش على الرخام بالمطرقة والإزميل. النقاشون هم أنفسهم الخطاطون المحافظون على المهنة رغم غزوة الحاسوب المظفّرة. ولأنني موعود دائماً بالمفارقات، فقد كان مشوار عمل الشاهد الحزين لقبر الصديق، مناسبة سارة غير متوقعة. فالخطاط الذي اخترت، هو حفيد سيّد إبراهيم، عميد الخط العربي (1897 ــ 1994). كان سيّد إحدى قامات عصر النهضة المصرية الأدبية، وصديق العقاد والمازني وعبد الرحمن شكري وسواهم، وهو الذي كتب "بسم الله الرحمن الرحيم" البديعة بخط الثلث، والكثير من الآيات القرآنية التي ما زالت تنقلها دور النشر بخطه تصويراً. أجلسني الرجل على كرسيّه. سألته عن تكلفة الرخامة البيضاء السميكة منقوشة (30 عرض و50 طول) فصدمني بزهد الثمن (ثمانون جنيهاً). كأنما يرأف الخَلْق بالخَلق هنا، واضمرت رفع المبلغ طوعاً، توخياً للاقتراب من العدالة وإن كان دونها. استأذنني مجدي إبراهيم في أن يترك الكتابة بالقصبة، لأحد تلامذته، على أن ينفّذ هو النقش بإزميل صغير، كقصبة معدنية ومطرقة تدق على رأسه بحركة سريعة متصلة، تؤديها يد متفنن في الخطوط. تضاحكنا كثيراً وقال إنه حزين، لأن توارث العائلة لمهنة التفنن في الخط والنقش سينقطع. قال: "لدي ولد وبنتان. الشاب لا يرغب في المهنة". لم تمر جملة دون قفشة. قلت:"يبقى مفيش غير الاستعانة بشجرة الدُر". رمى المطرقة والإزميل وضحك كثيراً وضرب كفاً، كأنه تذكر احدى ابنتيه، ثم قدم اليّ سيجارة "كيلوباترا". سُر كثيراً لاهتمامي بالخط ومعرفتي لأنواعه. وسُر أكثر لإجادتي فيه. فقد أخذتُ القصبة الخشبية المبللة بحبر اسود، من تلميذه الحاج عاطف، وكتبت بالخط النسخي قاصداً التعريف بالراحل:"هنا يرقد المناضل" ثم مختتماً اللوحة بخط الرقعة: "له ثواب الفاتحة".

 

ha

إقرأ أيضاً

الأكثر زيارة

Developed by MONGID | Software House جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2026