فتوح: بدء التحضيرات لاستكمال انتخاب أعضاء المجلس الوطني في دول الشتات    الاحتلال يمنع مزارعين من حصاد أراضيهم في سالم شرق نابلس    محافظ الخليل: أعمال لجنة الإعمار والترميم في البلدة القديمة تعزز صمود المواطنين وتحسن ظروفهم    دائرة شؤون القدس: الاحتلال يوظف الهدم لإعادة هندسة الواقع الديمغرافي في القدس    الرئيس يتسلّم التقرير السنوي للنيابة العامة لعام 2025    73,035 شهيدا و173,368 مصابا في قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول 2023    في ثاني استهداف لمركبة خلال ساعتين: استشهاد مسعف وإصابة آخرين في قصف الاحتلال مركبة غرب خان يونس    بعد هدم منزل وبناية سكنية: إصابة برصاص الاحتلال في كفر عقب شمال القدس    الاحتلال يقتحم أرض بطريركية الروم الأرثوذكس في سلوان    باكو: وفد من المجلس الوطني يشارك في مؤتمر اتحاد مجالس الدول الأعضاء بمنظمة التعاون الإسلامي    استشهاد فتاة وإصابة آخرين في قصف الاحتلال وسط مدينة غزة    محافظة القدس: دعوى استعمارية بمليون ونصف شيقل ضد عائلة الرجبي في بلدة سلوان بمدينة القدس    الاحتلال يصعد عدوانه في الضفة وغزة: 3 شهداء بينهم طالبة وهدم منازل في القدس وبيت لحم    الدولار على استقرار مع انتهاء الجولة الأولى من المحادثات الأميركية- الإيرانية    قطر تعلن عن 18 مفقودا و54 مصابا جراء الانفجار برأس لفان  

قطر تعلن عن 18 مفقودا و54 مصابا جراء الانفجار برأس لفان

الآن

إني رأيت عذاب القبر/ عيسى قراقع‏

دمي أمامي، أشباح من الألم تعذبني على مدار الساعة، يستجوبني وجعي وكأنه محقق شرس من طبيعة أخرى لا يعرف الرحمة، يدق جسدي، يدق أضلاعي، يدعس على آهاتي الحبيسة في هذا القبر المظلم، حراس حولي، يجلسون على أكتافي، يلبسون البساطير، تتدلى من أياديهم كل وسائل التعذيب والبطش.
هنا حيث أنا، لا ماء ولا دواء ولا ابيض، لا شفاعة لي، أموت ألف مرة ولا مجيب للاستغاثة، ملوحة في دمي وجروحي، اسمع صرختي ولا أراها، متمددا على جثتي حيا تارة وميتا تارة أخرى، قيح من جسمي يصب في فمي، فأين أنا، لا أنا على التراب ولا ذاهب للتراب، لا شيء تحتي ولا شيء فوقي.
إني رأيت عذاب القبر، هنا في عيادة مستشفى الرملة، أسلاك تتدلى من بطني للتبول، معدتي من البلاستيك بعد أن مزقها الرصاص، اجلس على كرسي متحرك، رأسي ثقيل ، وظهري مكسور الفقرات، الموت أسهل وأكثر حنانا، لأني لا أعيش ولا أموت، لا أنسى ولا أتذكر، هي فوضى الوجع في سجون الاحتلال.
أنا الاسير منصور موقدة، جسد محطم ومدمر، أتعذب منذ خمسة عشر عاما، جريحا لم يفقد الحياة عندما أراد الجنود ذلك، ولم يصل الموت عندما حلق فوق رأسي ثم ابتعد، لقد عادت روحي لترصد حالتي بعد ثلاثين عاما من حكمي، وداخل قبر يتمدد فيه أسرى مثلي وأكثر، اشتروا الأكفان بدل الزنابق وينتظرون القرار بالمغادرة ساكتين.
إني رأيت عذاب القبر، أنا الاسير رياض العمور ، على قلبي آلة تنظم دقاته، وفي رئتي ما ء كثير، اسقط أحيانا على الأرض داخل الحمام ارتطم وأنجو، انتظر الموت ليخبرني بالحقيقة عن موعد حريتي مسجى محمولا خارج السجن في بلادي لتكون النهاية مختلفة، لم أفكر بتدابير الجنازة ، أفكر بالخلاص من وجعي بعد أن أبلغني قلبي أنه بدأ يفقد السيطرة على الصمود.
إني رأيت عذاب القبر، سرطان يسير في عظام الشهيد ميسرة أبو حمدية ومعتصم رداد وعامر بحر وأورام في رقبة محمود أبو صالح وفراغ تركه الشهداء اشرف أبو ذريع وزهير لبادة ، دم ينز من جروح الاسير معتز عبيدو، وسكين لازالت تقطع أقدام الاسير ناهض الأقرع، كأني في مجزرة، رائحة أجساد خدرها الدواء والمسكنات، ولا يستطيع الاسير خالد الشاويش أن يكمل سرد حكايته إلا نائما في الهذيان.
في قبر سجن مستشفى الرملة تنسى وظيفة أعضاءك، تنسى طعم الهواء ورائحة الكلام، خوف وفزع، لا زيارة لأي مكان، لا شكر للحياة ولا شكر للموت، وحيدون في مسلخ يسلخنا من داخلنا، يسلخ جلدنا وفكرنا، ويقولون لنا: حياتكم كلها مريضة، فاجرعوا آلامكم حتى تختنقوا.
إني رأيت عذاب القبر، يقف أمامي الاسير محمد براش بقدم واحدة، وبعين واحدة ، لا يسمع ولا يرى، سائل أحمر ينز من قدمه المبتورة ، لا يذهب لأحد على عكازته، ولا يستقبل أحدا لأنه لم يعد يشبه الإنسان، كأنه واحد غيره، ليس ابن المخيم الفدائي، ولا الذي نادته السفن كي تنقذه بعد اختفاء السلام من البحر.
المقبرة الآن مزدحمة، سكانها يكثرون استعدادا للموت، نعيم شوامرة، محمود سلمان، طارق عاصي، عثمان الخليلي، محمد غوادرة، جهاد أبو هنية، فواز بعارة، علاء الهمص، سامر عويسات، صلاح الطيطي، مراد أبو معليق، يوسف نواجعة، سلام الزغل، الشرايين خارج الأجساد، لم تأت ساعتهم بعد، لا ملائكة يزورون المكان، سجانون أطباء يملكون ساعة الموت وساعة الحياة.
إني رأيت عذاب القبر، هنا في حوض البحر المتوسط، وداخل معسكر كبير في سجن الرملة، وفوق الأرض وتحت السماء في زنازين ضيقة، محشورين نتعذب نيابة عن كل المؤمنين والمظلومين في الأرض، صامدين وخائفين أن نخذل أحباءنا وأن نترك غدنا قبل أن تحمل أعمارنا لغيرنا كل الأسماء.
قال لي المحقق لا أريد منك اعترافا، أريد روحك في قبضتي اشويها لأوصلك إلى الفناء، مهمتي أن أزيلك من الحلم وأن أمحو المدينة والراية والنشيد من بساتين ذاكرتك، لأننا نخشى في موتك أن تحيا اللغة، ونخشى من غيابك البطولي أن تعود في اليقين ، لهذا نريد أن تصير عدما لا حيا مؤقتا ولا ميتا إلى حين.
إني رأيت عذاب القبر، لا هو في السماء ولا هو في الأرض، هو في دولة فولاذية بوليسية تسمى دولة إسرائيل ، التراب ليس اخضر، وغدي غياب.


ha

إقرأ أيضاً

الأكثر زيارة

Developed by MONGID | Software House جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2026